.
.
.
.

دعوة لمكافحة «الشعور بالوحدة»

نيكولاس كريستوف

نشر في: آخر تحديث:

ذكر بحث نشرته «جوليان هولت لونستاد» أستاذ علم النفس والأعصاب بجامعة بريجهام يونج أن العزلة الاجتماعية أكثر فتكاً من تدخين 15 سيجارة في اليوم أو من السمنة. ولأن السمنة مسؤولة في الولايات المتحدة عن قتل ما بين 300 و600 ألف في العام، فهذا يعني أن الشعور بالوحدة قاتل كبير وإنْ يكن صامتا. ويؤكد باحثون أن الشعور بالوحدة يزيد احتمالات الإصابة بالالتهابات وأمراض القلب والعته ويفاقم معدلات الوفيات ويجعلنا ببساطة سقيمي الوجدان. ويناقش خبراء الصحة العامة في كثير من الدول كيفية معالجة مشكلة الشعور بالوحدة المتفشية التي تنخر الحياة الحديثة. لكن بريطانيا أخذت زمام المبادرة والعام الماضي عينت وزيراً للشعور بالوحدة.
وذكرت لي البارونة «باران» وزيرة الشعور بالوحدة الحالية في بريطانيا أن «الوحدة تصيب كل واحد منا تقريبا في مرحلة ما. وقد تؤدي إلى عواقب صحية خطيرة للغاية للأفراد وإلى تآكل مجتمعنا حيث يصبح الناس منعزلين ومنفصلين». وبدأ اهتمامي بالشعور بالوحدة حين كنت أغطي مشكلة تفشي تعاطي المخدرات وارتفاع معدلات الانتحار في الولايات المتحدة. ولهذه المشكلات جذور معقدة جانب منها اقتصادي لكنها أيضا نتيجة للعزلة الاجتماعية. فقد تلاشت الأسر الممتدة وتفككت المؤسسات الاجتماعية مثل الكنائس ودوريات رياضة البولينج والنوادي في الأحياء. ولذا لم نعد وثيقي الصلة بتجمعاتنا السكانية.
ويحكي الدكتور «فيفك مورثي» الذي شعل منصب الجراح العام للولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما تجربته قائلا «تدربت في طب الباطنة وتوقعت أن معظم وقتي سأنفقه في معالجة أمراض السكري أو القلب أو السرطان. لكن ما لم أتوقعه هو أن كثيراً من الناس الذين رأيتهم كانوا يعانون من الشعور بالوحدة». وهناك أكثر من خمس الراشدين في الولايات المتحدة وبريطانيا قالوا، في مسح أجري عام 2018، إنهم في غالب الأحوال أو دائما يشعرون بالوحدة. وهناك أكثر من نصف الراشدين الأميركيين غير متزوجين وتوصل الباحثون إلى أنه حتى وسط المتزوجين هناك 30% من العلاقات بين الأزواج متوترة للغاية. وربع الأميركيين يعيشون حاليا كل بمفرده.
ويقول «مورثي» إنه رأى أسرا ترسل بأفراد العائلة الكبار في السن إلى مستشفى في عطلة عيد الشكر أو في أي عطلة طويلة أخرى، كما لو أنهم يتركون كلبا في مؤسسة لرعاية الكلاب أثناء غيابهم عن المنزل. وفي المستشفيات، يكون الأطباء أحيانا هم الوحيدون الذين يشهدون وفاة المريض دون أن يكون هناك أحد من ذويه. والشعور بالوحدة يؤثر على الصحة البدنية على نحوين. الأول هو أنه ينتج الهرمونات الناتجة عن الشعور بالضيق والتي قد تؤدي إلى الالتهاب والمشكلات الصحية الأخرى. ثانيا: تقل احتمالات ذهاب الأشخاص الذين يعيشون وحدهم إلى الطبيب وتقل احتمالات تعاطيهم للعقاقير العلاجية أو ممارسة التدريبات الرياضية أو تناول الطعام الصحي. إننا ربما نستاء من مضايقات ذوينا لكنها تبقينا أحياء.
وحين التقيت بالبارونة «باران»، شككت أن حقيبة وزير الشعور بالوحدة مجرد أمر مفتعل. لكني مقتنع الآن أنها نموذج يحتذى للدول الأخرى. فقد دشنت الوزارة حملة «دعنا نتحدث عن الشعور بالوحدة»، التي أشعلت مناقشات محتدمة عبر بريطانيا. وتقدم الوزارة منحا صغيرة لنوادي رعاية الحدائق وجماعات مراقبة الطيور وغيرها، حتى يمكنهم نشر الأمر ودعوة الناس إلى الانضمام. وذهبت إحدى المنح وتبلغ 640 دولارا، على سبيل المثال، إلى جماعة في برمنجهام لشراء ألعاب الطاولة لتدشين ناديا للألعاب الطاولة.
وتقيم الوزارة «مقاعد صديقة» أي المقاعد العامة التي تشجع الناس على الذهاب والدردشة مع الآخرين. والحكومة توظف عمال خدمات اجتماعية في مكاتب الأطباء لوصف علاج اجتماعي وتربط بين المرضى الذين يشعرون بالوحدة والمنظمات المحلية. وذكرت «البارونة» أن أحد الدروس المبكرة التي تعلموها هي عدم نشر إعلان يدعو الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة إلى المشاركة بل نشر إعلان متفائل يدعو الناس إلى المشاركة في نادي للخروج والمشي أو تجمع للاهتمام بالحدائق أو أي نشاط آخر. وترى باران أنه «يجب أن نركز على مواهب الناس وليس مشكلاتهم لأن معظمنا يفضل الحديث عن مواهبه».
والبعض يعتقد أن الإنترنت فاقم المشكلة لأن تصفح «فيسبوك» أو انستجرام يوحي بأن كل الآخرين في العالم يتمتعون بوقت رائع وعلاقات مثالية.
ومعالجة المشكلة ضروري لأنه، بحسب قول البارونة، «إذا استطاع المرء التغلب على الوحدة فإنه يشعر بأنه أقوى وأكثر قدرة على الصمود وأكثر تفاؤلا بشأن المستقبل». وتوصلت هولت لونستاد، أستاذ علم النفس، أن التواصل الاجتماعي الأقوى يرتبط بتقليص الموت المبكر بنسبة 50%. وأظهرت أستراليا وكندا وألمانيا ونيوزيلندا اهتماما بتبني المساعي البريطانية. وربما يجب على الولايات المتحدة أيضا أن تجرب. فماذا عن إقامة منصب جديد في وزارة الصحة والخدمات الإنسانية- مساعد للوزير بشأن الشعور بالوحدة؟

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.