.
.
.
.

الطائرة "الأوكرانيّة" .. التي "عرّت" إيران

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

تتسابق الأحداث في إيران مع كتابة أسطر مقال يومي. فعند البدء بالتعليق على الرد "الكرتوني" لاغتيال ثاني أهم شخصية في إيران وتحليل دلالاته العميقة، وجدنا نفسنا أمام حدث عاجل يقتضي بدوره التوقف عنده والتعليق على مجرياته. لم يستنتج العالم كل دلالات الاغتيال وانعكاساته على الداخل الإيراني وسياسة طهران الخارجية حتى طالعنا إسقاط الطائرة الأوكرانية المدنية المنكوبة والردّ الشعبي الإيراني الذي دفع فاتورتها القاسية بفقدانه لعشرات الإيرانيين الذين كانوا على متنها. كل ذلك لم يتوقف هنا، حتى عاد الإيرانيون إلى الشارع بتظاهرات غير مسبوقة، طابعها سياسي بحت هذه المرة وبدون أي سقف بخلاف التظاهرات المعيشية مؤخراً، وتلك المندّدة بإعادة انتخاب أحمدي نجاد عام 2009. مشهد مختلف تماماً اليوم في إيران، رأس النظام على لائحة المطلوبين في الشارع ولا "أسطورة" ـ روّج لها النظام مثل قاسم سليماني ـ عصيّة على هتافاتهم، لتصدح في البلاد "الموت للديكتاتور" وأيادي العباد تمزّق صوره و"ابنه المدلل". صفعة تلو الأخرى تتلقاها إيران، وهي نفسها تسابق الوقت معها.

لم يكن المرشد الإيراني ليعتقد أنّ ما حققته إيران من مكتسبات طيلة 4 عقود ونيف ستتهاوى بأسبوع واحد. فسقوط أسطورة التفوق التقني وما تلاها من سقوط لدعاية الدولة "القادرة" القوية المتفوقة تكلل بغضب شعبي عارم أسقط مرة جديدة مفهوم يد النظام الحديدية القابضة على أرواح الإيرانيين وممتلكاتهم، ليثبت هذا الشعب مرة تلو الأخرى أن باستطاعته الانتفاض على ظلم النظام وتقويضه لا بل رغبته باستبداله بنظام عصري يناسب تطلعاته وطموحاته.

أوهمت إيران أتباعها لعقود أنها عاصمة "العالم الممانع"، وعلى هذه البروباغندا عوّلت أمام أنصارها ليضحّوا بحياتهم في الجبهات مع اختلاف جنسياتهم. استغلّت إيران الشعارات الرنّانة لشدّ العصب وتقديم حياة الناس كـ"ضحية" في سبيل "الأسطورة الإيرانية". روّجت طهران (بدون أيّ فعل يُذكر) على أنها صاحبة الصواريخ "الدقيقة" و"الذكية" التي ستهدم تل أبيب و"تحرق أميركا" وتسقط "الإمبرياليات" قبل أن يأتيها جواب عرّاها وأسقط القناع و"قصر الورق" بكسبة زرّ وصاروخ طائرة بدون طيار. شخصية أساسية في النظام الإيراني قتُلت وخلطت الأوراق ووضعت المرشد ورجالاته تحت الاختبار. منذ ذلك الاختبار بدأ "التعرّي".

هو النظام الإيراني الذي استعرض عضلاته بعروض عسكرية ومناورات بحرية وجوية وتجارب صاروخية بثها التلفزيون الإيراني لسنوات وفضحته المذيعة "المستقيلة" التي قالت "اكتفيت من كذبهم 13 عاماً". هو النظام الإيراني الذي يهدد الغرب كل يومٍ عبر بوقٍ من أبواقه. هو النظام الإيراني الذي اغتالت الولايات المتحدة أبرز رجالاته ليخرج قادة ميليشياته ومرشده وجنرالاته ويطبّلون لحرب آتية ستطرد الأميركيين من المنطقة، بدون فعل يُذكر أيضاً. هو النظام الإيراني الذي ردّ على مقتل سليماني بقصف قاعدة عسكرية في العراق ولم يصِب أي جندي أميركي. هو النظام الإيراني الذي بعدما استهدف قاعدة عين الأسد، ارتعب ودخل في تخبّط خوفاً من رد أميركي فراح يطلق الصواريخ اعتباطياً لينتهي بإسقاط طائرة مدنية أوكرانيّة على متنها عشرات الإيرانيين. هو النظام الإيراني الذي عرّته أحداث أسبوع من كفاءته العسكرية وقدراته القتالية وتصريحاته "الجوفاء" وبنى عليها "إمبراطورية الورق" لعقود. هو النظام الإيراني الذي قتل العشرات بعدما سقطوا في تدافع خلال تشييع سليماني، قبل أن تعود وتشتعل الاحتجاجات التي اتخذت طابعاً سياسياً هذه المرة ضده واتّحدت على ضرورة تنحي خامنئي لعدم كفاءته كما نعتت الحرس الثوري بـ"الكذّاب".

جولة جديدة من الصراع مع نظام يبدو أنّ الشعب الإيراني تخطاه، مرحلة جديدة انطلقت ولم تنتهِ، فما أخطر على نظام من أن يرى نفسه وجهاً لوجه مع شعبه وشعوب المنطقة التي جاهر باحتلال عواصمها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة