.
.
.
.

كايسيد.. دعوة للمواطنة والقيم الإنسانية

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

يوما تلو الآخر تمضي المملكة العربية السعودية في فتح أبوابها للساعين في طريق المواطنة والقيم الإنسانية والتعايش المشترك الخلاق بين سائر الأعراق والأجناس على الكرة الأرضية.

على مدى يومين متواصلين 22و 23 يناير كانون الثاني الجاري شهدت العاصمة السعودية الرياض أعمال الملتقي الإقليمي للتربية على المواطنة والقيم الإنسانية المشتركة "، والذي نظمه مكتب اليونسكو الإقليمي للتربية في الدول العربية، ومركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعلم بالتعاون مع مكتب التربية العربي لدول الخليج.

يشي العنوان بأن المملكة ماضية قدما في طريق رؤية 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تلك التي تفتح الأبواب واسعة أمام الآخر، وتسعى في طريق استعادة النموذج الإنساني السمح للإسلام، وتنهي عقود التكلس والتحجر وتعود بنموذج الوسطية، وتشجع على الاندماج في السياقات العولمية الساعية في طريق بناء الإنسان.

اللقاء على الذي جرى على أرض المملكة العربية السعودية شمل نحو ثمانين ممثلا من مؤسسات تعنى بتنفيذ التعليم من أجل المواطنة والقيم الإنسانية المشتركة في المنطقة، وهدف اللقاء الرئيس مناقشة الاتجاهات والممارسات الحديثة التي ترمي إلى توسيع نطاق الجهود المبذولة في مجال الترويج العالمي للتعليم من أجل المواطنة والقيم الإنسانية المشتركة.

في مقدمة المؤسسات الفاعلة في لقاء الرياض جاء مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، "كايسيد"، والذي تحول إلى رقم واضح ومؤثر على صعيد الحياة الدولية فيما يخص قضايا الحوار والجوار والتعايش الإنساني الخلاق والمشترك في كافة بقاع وأصقاع الأرض.

في كلمته خلال الملتقى أشار الأمين العام لكايسيد الأستاذ فيصل بن معمر إلى أن كايسيد أرسى استراتيجية مبتكرة لتفعيل دور القيادات الدينية لمساندة صانعي السياسات لترسيخ العيش والمواطنة والمشتركة والتصدي للتطرف والكراهية.

انطلاقة كايسيد تؤمي بما باتت تؤمن به المملكة العربية السعودية من قيم ومعايير إنسانية قادرة على ترميم البيت الأرضي الذي تهدم من جراء القوميات المتصاعدة، والأصوليات الضارة المتحاربة، ناهيك عن الشوفينيات المتشارعة، وجميعها لا تعرف لها طريق سوى الفكر الأحادي الرافض للآخر، والماضي في سياقات التقوقع حول الذات.

باتت توجهات المملكة اليوم وكما عبر عنها السيد فيصل بن معمر الأمين العام لكايسيد تسعى لتفعيل دور الأفراد والقيادات والمؤسسات الدينية لمساندة صانعي السياسات في تعزيز التعايش السلمي واحترام التنوع وقبول التعددية، وكذا وترسيخ المواطنة الشاملة والتصدي لتهديدات التعايش السلمي والتسامح، من قبل الجماعات المتطرفة بين مختلف الطوائف الدينية والعرقية في العالم.

طوال خمس سنوات وأزيد عمل مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي على دعم إسهام المؤسسات الدينية في مجتمعاتها المحلية لتعزيز ثقافة المواطنة المشتركة، كما دعا إلى الاستفادة القصوى من المعتدلين من الأغلبية الصامتة من الذين يمتلكون القدرات والإمكانات الكبيرة في مكافحة خطاب التطرف تحت مظلة المواطنة المشتركة.

عبر خمسة أعوام وأزيد كان ديدن كايسيد الحوار، وفي القلب والعقل يقين لا يتزعزع بأنه أفضل السبل وأقصر الآليات التي ترسخ للمبادئ والقيم الإنسانية المشتركة مثل الرحمة والاحترام والتسامح والإحسان والسلم والتماسك الاجتماعي.

التعاون الخلاق الذي يقوم بين اتباع الأديان والثقافات في كايسيد من مسيحيين ومسلمين ويهود وهندوس وبوذيين، يدفع في طريق دعم مسار غرس الثقافة العالمية المشتركة التي تدعو اليها منظمة اليونسكو لتعليم مفهوم المواطنة المشتركة في أذهان الناشئة، دونما اشتراط لتخصيص وقت محدد لها او تدريسها كمادة مستقلة، ولكن بدمج قيمها ومبادئها وأدبياتها ضمن النشاطات التربوية والتعليمية الصيفية وغير الصيفية في مؤسساتنا التعليمية.

هل كان الإسلام سباقا في سياق المواطنة عبر اربعة عشر قرنا من الزمان؟
يقطع السيد فيصل بن معمر بأن ذلك كذلك، فقد أعطى الإسلام أول دستور يرسخ فكرة المواطنة وحرية الأديان في العالم، حيث تضمنت وثيقة المدينة المنورة دستورا شاملا للعيش مع المكونات الدينية المتنوعة من خلال حرية الاعتقاد وممارسة شعائره، وتعزيز قيم التعايش والأنصاف والأمن والسلام.

تدفع المسارات الحضارية المعاصرة العالم إلى مزيد من التلاحم مع التنوع، وتزخمها في طريق التواصل والترابط المتسارع مع بعضها البعض جغرافيا وتقنيا، بعدما تخطى وعيها العالمي والإنساني الأطر والمسارات الرسمية وابتكر أنماطا من التواصل والتفاهم والتعاون الذي لا يعترف بأي حدود من خلال الحوار وتطورات التقنية انطلاقا من المصالح العامة والمصير المشترك، مع بيئات متنوعة ومتباينة ومتعددة الأديان والثقافات والأعراق، وهذا كله كما يخلص الأمين العام لكايسيد يؤكد ضرورة العيش في ظل المواطنة المشتركة.

أحسنت المملكة كثيرا جدا في عقد هذا اللقاء الماوراء إنساني، على أراضيها وأجاد الأمين العام لكايسيد رسم الصورة الإيمانية والإنسانية للإسلام الوسطي السمح من جديد، مدفوعا بتجربة كايسيد عبر السنوات الماضية، حيث ثبت من خلال التجربة إنه ليس من المناسب دائما تصوير أولئك الذين ينتمون إلى أديان أو مذاهب أو أعراق مختلفة، على أنهم أقليات بحاجة إلى حماية من مجتمعاتهم، وإنما مكونات مجتمعية متنوعة لها حقوق المواطنة كاملة ولها حق ممارسة أدوارها الفعالة باعتبارها مكونا رئيسا في مجتمعاتها بغض النظر عن هوياتها المتنوعة دينيا أو مذهبيا أو عرقيا ويجب استنهاض كل الهمم والتوجهات الدينية والسياسية والتعليمية والقانونية لحماية ذلك.

كايسيد وجه من وجوه المملكة الصاعدة في أعلى عليين في طريق عالم أكثر إنسانوية، لا سيما من خلال مبادراتها التي ترسخ كل ما يستنهض الهمم في عالم مليء بالمعاثر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.