.
.
.
.

الدولار و«مصيدة ثوسيديدس»

دانيال دريزنر

نشر في: آخر تحديث:

لسجل الرئيس دونالد ترامب في السياسة الخارجية جانب إيجابي متواضع واحد حتى الآن، ألا وهو: غياب هزائم كارثية، وهذا يشمل مخاوفي في 2018 من أن يضر ترامب بمركزية الدولار في المالية العالمية، فإدارة ترامب لا تشعر بالحرج في استخدام للدولار الأميركي كسلاح للحصول على ما تريده، وهذه المهارة المالية في استخدامه لم تكن ناجحة دائماً، ولكن التداعيات السلبية لذلك حتى الآن ليست كبيرة مثلما كنت أخشى.
بيد أن هنري فارل وأبراهام نيومان يعرفان الكثير عن سوء استغلال الاعتماد المتبادل واستخدامه كسلاح، وهما أقل تفاؤلاً، ففي مقال لهما بمجلة «فورين أفيرز» الشهر الماضي، شبّه فارل ونيومان الولايات المتحدة بأثينا في حرب بيلوبونيس (تلك الحرب لم تنته على نحو جيد بالنسبة لأثينا)، محذرين من أن «إيمان واشنطن المتعجرف بحتمية قوتها، قد يخلق في نهاية المطاف الظروف لانهيار تلك القوة».

لماذا قد يحدث هذا؟
«فارل» و«نيومان» يقولان في مقالهما إن «هذه العملية بدأت منذ بعض الوقت»، وعلى سبيل المثال، فـ«تركيا – العضو في الناتو وحليفة الولايات المتحدة، التي باتت تخشى وخز عقوبات أميركية في السنوات الأخيرة – تعمل مع روسيا حالياً، من أجل إنشاء قنوات دفع مالي تسمح بالتفاف التدفقات التجارية الدولية على النظام المالي الأميركي»، ومن جانبه، يبحث الجهاز التنفيذي الجديد للاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن أفضل السبل لحماية القارة الأوروبية من اعتداء اقتصادي من كل من الولايات المتحدة والصين، بل إن حتى حلفاء أميركا المقربين، مثل المملكة المتحدة، يبحثون حالياً رفض مطالبة واشنطن لهم بمنع عملاق التكنولوجيا الصيني «هواوي» من إنشاء شبكات الاتصالات، والواقع أنه من المستبعد انهيار نظام المقاصة الذي يستخدم الدولار، ولكن الدول والفاعلين من غير الدول قد يحفرون أنفاقاً بديلة للتبادل يمكن أن تُضعفه تدريجياً وتستبدله، وغني عن البيان أنه كلما ازدادت الولايات المتحدة غطرسة، ازدادت الحوافز أمام حلفائها لمقاومة هيمنتها أو الانشقاق، تحديداً في الوقت الذي توجد فيه حاجة ماسة إليهم، وفضلاً عن ذلك، وبينما تتآكل ثقة حلفاء الولايات المتحدة، كذلك ستفعل قدرة واشنطن في إظهار القوة حول العالم.
ثم يختم فارل ونيومان بتحذير واضح لا لبس فيه: (أن «مصيدة ثوسيديدس» الحقيقية التي تواجه واشنطن لا تتعلق بحتمية صراع القوى العظمى، وإنما بالإغراء المستمر للقوة الإمبريالية)، وذلك نسبة إلى المؤرخ الإغريقي «ثوسيديدس» حول «الحرب البيلوبونيسية» التي جمعت بين إسبارطة وأثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، حيث كتب يقول: «إن صعود أثينا والخوف الذي كان يثيره ذلك في إسبارطة هو الذي جعل الحرب حتمية».
والواقع أنه من الصعب علي التقاط كل المشاعر المختلطة التي يثيرها هذا الموضوع، فمن جهة، هذا التحذير مقلق! ومن جهة أخرى، يشمل هذا المقال مناقشات للاقتصاد السياسي، والسياسة الخارجية، وكلاسيكيات نظرية العلاقات الدولية، في ما يمثل توليفة لمواضيعي المفضلة في البحث والتعليم.
ومن جهة ثالثة، هناك عامل أخشى أن «فارل» و«نيومان» قد غفلاه، وهو عامل الزمن، هذا لا يعني أنني أختلف مع توقعاتهما – بل إنني أتقاسم قلقهما، ولكن المشكلة هي أن توقعاتهما تلك من المستبعد أن تحدث قبل فترة معتبرة، وهو ما يحدّ من وقع تحذيرهما.
والواقع أن فارل ونيومان قد يكونان على حق بشأن تصميم المفوضية الأوروبية الجديدة، واعتزامها السعي وراء بعض الاستقلالية عن الولايات المتحدة، غير أنه مثلما أشار «آلان بيتي» في صحيفة «فاينانشيال تايمز» الأسبوع الماضي، فإن ذلك لا أهمية كبيرة له، ذلك أن الجهود الأوروبية للالتفاف على العقوبات الأميركية لم تنجح، أما بخصوص منافسة الدولار، فإن «(الأوروبيين) يتحدثون بحماس عن استبدال الدولار باليورو كعملة رئيسية للتمويل البنكي والفواتير التجارية في نهاية المطاف، وهو ما سيحد من قدرة الولايات المتحدة على استخدام نظام الدفع المالي كسلاح لخدمة أهدافها الخاصة، غير أن العملة الأوروبية تعاني من نقاط ضعف خاصة بها، تحول دون اضطلاعها بذاك الدور، ويبدو من المستبعد أن تعالج قبل عقود».
كما أن «بيتي» ليس مخطئاً، فمن المدهش أن البديلين الأكثر احتمالاً لخلافة الدولار – اليورو والرنمينبي - يوجدان في حالة أسوء منذ أن كتبتُ عن مصدر القلق هذا أول مرة قبل عشر سنوات، ومن جديد، فإن «فارل» و«نيومان» ليسا مخطئين، ولكن ربما لن تتضح صحة ما يذهبان إليه قبل فترة طويلة، والحال أنه من الصعب أكثر إقناع المسؤولين الحكوميين بإيلاء الاهتمام للتحذيرات عندما تبدو الكارثة بعيدة جداً، ذلك أن ظهور مواجهة مباشرة مع الدولار سيستغرق بعض الوقت لأسباب عديدة.
وخلاصة القول: إن الولايات المتحدة باتت تشبه على نحو متزايد أثينا في مرحلة تراجعها، ولكن الأمر تطلب وقتاً طويلاً قبل أن تواجه أثينا عواقب أفعالها، ثم إن لدينا إدارة لا تفكر على المدى الطويل، حتى في ما يتعلق بالمسائل المالية، وعليه، فإن «مصيدة ترامب» بسيطة: عدم إدراك ذلك فقط لأن أشياء سيئة لم تحدث بعد لا يعني أنها لن تحدث أبداً.

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.