.
.
.
.

كورونا الداء بين الوقاية والدواء

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

قال ابن حزم في المحلى بالآثار: "وغسل اليدين قبل الطعام وبعده حسن"، وساق حديثًا عن النبي صلى الله عليه وآله: من نام وفي يده غمر ولم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه. وقد بُلي زمن ابن حزم كما بلي زمننا بمن يعترض على أي فعل مشترك بين المسلمين وبلاد الغرب، وكان الاعتراض آنذاك أن هذا من فعل الأعاجم فقال ابن حزم: "وهذا عجب جداً وإن أكل الخبز لمن فعل الأعاجم"، وهذه الكليمات استهللت بها هذا المقال لبيان أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله هو السباق في وضع قواعد النظافة وأساليب الوقاية، وفي الحديث السابق الذكر لم يلتفت النبي صلى الله عليه وآله لا إلى متوكل ولا إلى محافظ على ذكر ولا على مهمل جاهل، بل أطلق الملامة على نفس الفاعل فلا لوم على أحد سواه، لأن ما يعلق باليدين من زهومة وبقايا طعام لا يزيلها إلا النظافة، وهي الوقاية المحيطة بفعل السبب لتجنب الهوام وفيروسات نقل الأمراض، وفي أيامنا هذه نسمع عن فايروس "كورونا" وليس هو الأول، وربما لن يكون الأخير، فالبلاء مرتبط ببقاء الحياة، وقد علمنا نبينا صلى الله عليه وآله كل ما يتعلق بأحكام نزول البلاء ابتداءً من الدعاء "اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون، والجذام، ومن سيئ الأسقام"، ومرورًا بالواقيات من الأذكار، وندبًا للحكماء في بذل الجهد لاستخراج الأدوية من مصادرها وقد رفع عنهم حاجز الخمول واليأس فقال: "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواء" وأرشدهم إلى النظر إلى حقيقة الأدواء وأنها ليست وهميات وأعرض لا حقيقة لها بل هي أجرام وفيروسات تنتقل بالملامسة والمقاربة وكل داء وله أساليب وطرق ينتقل بها، "أعاذنا الله وسائر الناس" من الأدواء والأسقام.

وقد أرشد صلوات الله عليه إلى ما يسمى اليوم بـ"الحجر الصحي" تفاديًا لتوسع المرض، وحفاظًا على السليم من السقيم، وليس ذلك إلا أسلوب حضاري أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله ليأتي أطباء العصر ليعتمدوه أسلوبًا ناجعًا في الحد من الأمراض، وليس ذلك الحجر مجرد موروثٍ في ورق، بل عمل به المسلمون بكل تفاصيله، ففي زمن الطاعون الذي نزل ببلاد الشام في زمن عمر رضي الله عنه، وكان متوجهًا إليها أحجم هو وأصحابه عن الدخول وبقي مترددًا فجاء عبدالرحمن بن عوف -وكان متغيباً في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" قال: فحمد الله عمر ثم انصرف، وهذا المنع يبقى سارياً حيت لا يستطيع الطب تمييز وفصل المصاب عن السليم، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وآله قال: "لا يورد ممرض على مصح" وهو من أنصع الأدلة على اهتمام الإسلام بصحة الفرد، وندب الدول والحكومات إلى اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة، وهو عين ما تفعله مملكتنا حرسها الله، والذي ينبغي للخطباء والوعاظ والإعلام أن يفشوا ثقافة الوقاية بغير تخويف، ولا تهويل فالأمور أولاً وآخراً لا تتعدى حدود القدر، وسيستغلها الكثيرون سياسيًا وتجاريًا.. إلخ.

والأمر لا يستدعي القلق أصلاً، وسيمر ويغادر غير تارك أي أضرار أو آثار إن شاء الله، ولكن يجب أن نكون آذانًا واعية لما يرشدنا إليه أصحاب الشأن ومراكز الوقاية، ليس لمجيء فايروس أو لنزول بلاء، وإنما لتكون ثقافة الاحتراس من الأمراض ومجانبة ما يجلبها هي ثقافة عامة نتعلمها في مدارسنا ومساجدنا ومراكزنا ونجدها واقعًا معمولاً به في بيوتنا وشوارعنا وحاراتنا، "فالله خير حافظاً، وهو أرحم الراحمين". هذا، والله من وراء القصد.

*نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.