.
.
.
.

الكويت.. في زنزانة النفط

عبد الله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

كثيرون يحسدون الكويت على ما تملكه من احتياطي نفطي كبير معروفة أحجامه، وهناك امتدادات في خزائن النفط الكويتية لم تكتشف تغذي الأحواض بالمزيد، وهذه الحالة لا تنفرد بها الكويت وإنما هي واقع دول مجلس التعاون وواقع العراق، والفرق بين الكويت والدول الأعضاء في المجلس أن الكويت لا تملك حرية المناورة للتخفيف من الاعتماد على المصدر الوحيد الذي يوفر للشعب حياته ويؤمن له المعيشة المترفة، والسبب يعود إلى مشكلتين، الأولى: مجلس الأمة المعارض للخصخصة، التي تتيح للقطاع الخاص أن يؤدي مأمورية اقتصادية محتضنة للشباب، في جو يدعم المواهب ويوفر لها الابداع ويخلق المجتمع المستوعب والمتابع للتكنولوجيا وتطوراتها، ومنها تنبت المصانع وتتكون الكتلة البشرية الرائدة والمؤثرة في توجهات الدولة، ومن دون الخصخصة وفتح المسار للقطاع الخاص يبقى هذا القطاع مشدوداً نحو الوكالات وتجارة التجزئة، محروماً من فرص الاقتباس من تنوعات التكنولوجيا العالمية التي تصل الكويت بمعية الشركات الأجنبية الحائزة عقود المناقصات. والمشكلة الثانية، أن الحكومة لا تملك فرض الضرائب على الإيرادات والخدمات من أجل زيادة الدخل، من دون تفويض من مجلس الأمة الذي يصرخ دائماً بالابتعاد عن جيب المواطن، بينما دول الخليج الأخرى سارت في تنفيذ القرارات التي اتخذها مجلس التعاون وطبقتها مثل ضريبة القيمة المضافة. ورغم توصيات صندوق النقد الدولي ونصائح الخبراء، بالاضافة إلى الالتزام السياسي الذي تفرضه عضوية الكويت في مجلس التعاون، فقد أبقت الحكومة الوضع لأنها لا تريد المواجهة في قضية قد تخسر فيها الثقة، لكن السبب الأهم أن الحكومة اعتادت على نهج التهدئة والابتعاد عن صداع الرأس المؤذي، وآثرت السلامة والحفاظ على التهدئة، والمشكلة الآن أن نهج النأي عن المواجهة استوطن آلية العمل في الحكومة، وتمكن من أساسياتها في الجهاز الوظيفي والبيروقراطي، والخروج على هذه الحالة يحتاج إلى انتفاضة تدفعها الهمة السياسية الضرورية. ولا أعتقد أن أساليب الحكومة في معالجتها للملف الاقتصادي، ستمنحها القدرة على تجاوز معارضة النواب لفرض الضرائب التي لا مفر منها، في ضوء اتفاق جميع دول المجلس على ضريبة القيمة المضافة، كما لا يمكن التكهن بموعد قادم يتيح للحكومة فرض هذه الضريبة.. ويعود هذا التعثر إلى مفاهيم خطأ لدى النواب، وإلى حد ما عند الرأي العام في الكويت، بأن قدرة الكويت المالية التي يوفرها النفط تمكنها من الوفاء بالالتزامات من دون اللجوء إلى قرار غليظ مثل فرض القيمة المضافة.. فوفق معايير الأمم المتحدة، تظل الكويت بلداً من بلدان العالم الثالث، فهي عضو في مجموعة دول السيولة التي هي خارج تعريف الأمم المتحدة عن الدول النامية التي تعتمد على القروض والمنح والمساعدات من المؤسسات المالية العالمية، ونجد أغلبيتها في القارتين الأفريقية والآسيوية. دولة الكويت تملك الكاش، والسيولة تأتي من ملكيتها للطاقة التي تتبدل أسعارها وفق قاعدة العرض والطلب، وهي دولة بلا أنهار ولا زراعة ولا تملك طبقة فنية مؤهلة لبناء صناعة محلية قابلة للتصدير، وهي أقل دول المجلس في تنويع مصادر الدخل، وصادراتها إلى الخارج لا تتعدى ثلاثمئة مليون دينار، بينما تشكل صادرات دول المجلس الأخرى من غير النفط %17 من ميزانيتها، وتتجه المملكة العربية السعودية إلى الاستثمار في مسارات السياحة والخصخصة من أجل توسيع قاعدة الانتاج، كما لا تتردد في تبني آليات تسهم في زيادة الدخل؛ مثل خصخصة جزء من أرامكو، وهي خطوة شجعت أصحاب رؤوس الأموال في العالم إلى الدخول إلى السوق السعودي.. وفي الكويت تساؤلات عن جدية مشروع الكويت المستقبلي حول طريق الحرير، وتحول الجزر إلى منطقة حرة للتصدير إلى البحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسوريا، وعن حجم الحزم والاصرار على تنفيذه، وعن غياب التواصل في التحضير للمشروع، وأبرزها مدى تعاون مجلس الأمة مع الحكومة، بالاضافة إلى ضرورة التثقيف الشعبي بشرح واضح يقدم للرأي العام من أجل إدخال الاقتناع بجدية التنفيذ. هذا مشروع استراتيجي كبير سيبدل كثيراً في أسلوب حياة الكويتيين، ويغير جغرافيتهم ويدخلهم في بيئة فيها صخب المشاركة في القرارالكويتي السياسي، من قبل شركات من أطراف غربية مالكة لأحدث أساليب التكنولوجيا تدعمها دول تساعدها لتحقيق النجاح. سيجد الشباب الكويتي مجالاً واسعاً للعمل في المنطقة، مع شركات تتيح لهم اقتناء التكنولوجيا وتوظيفها لتحسين الأداء الوظيفي والاداري، والاختلاط بمهندسين وعلماء ينقلون المعرفة إلى الكويت، والمهم في هذه المرحلة هي همة الحكومة وإرادتها في تنفيذ المشروع، فالكويت بحاجة ماسة إلى تأمين مشروع نهضوي بحجم الجزر، يرسخ الثقة في قدرة الحكومة على اتخاذ القرارالصعب والثقيل للخروج من نهجها البيروقراطي، فقد عفا الزمن على الإدارة بأصابع النعومة والرقة، نحن في زمن المنافسة الحادة على فرص استحضار الوسائل الحديثة للنمو الاقتصادي التي لا تتعرض لتقلبات في سعرها وفي حجم حاجة العالم لها.. هناك حاجة ملحة لإبراز الحيوية في الأداء الحكومي، لا سيما أن المناخ السياسي والاقتصادي يتسيده الجفاف وأثقال الروتين، وفوق ذلك تعاني الكويت عجز البرلمان عن الإسهام في إنعاش الحياة السياسية والاقتصادية لمسببات كثيرة، أبرزها فشل النواب في فهم الدور الطبيعي للمجلس كما حدده الدستور في مشاركة المجلس في خطط التنمية، وتحالفه مع الحكومة لتحويلها إلى واقع، بالاضافة إلى انشغال الأعضاء في التنافس لطرح مقترحات يستفيد منها النائب في محطاته الانتخابية، وكلها تتعارض مع القانون وتعبث بالنظام الوظيفي وترهق الدولة في ميزانيتها وتنتهك الانضباط، فلا غرابة في غياب النواب عن اجتماعات اللجان المتخصصة وتعطيل أعمالها، فليس فيها حصاد شخصي يكسبه النائب الذي يفضل تخليص المعاملات في زيارات مفاجئة لمكاتب الوزراء.. من حق الكويتيين الذين يتساءلون بقلق عن الكيفية التي ستتبعها الحكومة في الوفاء بمتطلبات مسؤولياتها لتوفير المال ليواصل صندوق التنمية عمله في الدول النامية، وكيفية التناغم مع زيادة أعداد الكويتيين، وارتفاع الضغط على الكويت لتقديم المزيد من الدعم لدول عربية حطمتها الانقلابات وسفاهة القيادات فيها، وتصاعد التوجه الأوروبي والأميركي نحو دول الخليج للمزيد من الشراكة المالية، تحملاً لأعباء الحفاظ على أمن المنطقة، بالاضافة إلى الرعاية شبه الدائمة لمؤتمرات إعادة الإعمار في دول البؤس العربي وفي مناطق التعاسة العالمية.. هذه حقائق لن نفلت منها، والتعامل معها منطقياً يستوجب تنويع مصادر الدخل، وغير ذلك تبقى الكويت وحيدة في زنزانة النفط.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة