.
.
.
.

حول الجامعة العربية.. وأمينها

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

لفت نظري ما جاء في المؤتمر الصحافي، الذي عقده الأمين العام للجامعة العربية السيد أحمد أبوالغيط، بعد انتهاء لقاء وزراء الخارجية العرب، الذي عقد في القاهرة منذ أسبوعين، الذي تحدث بنغمة إحباط واضحة حول واقع الجامعة العربية، وليست هذه المرة الأولى التي يتحدث الأمين العام بشيء من العتاب وبكثير من الاحباط وبقليل من الأمل، ولم تختلف هذه المقاطع حتى في أحاديثه في اللقاءات مع مختلف المشارب، وأذكر جيداً أنني في آخر لقاء معه في مؤتمر بأبوظبي، اقترحت عليه عقد ندوة صغيرة ومغلقة في مقر الجامعة العربية، يشارك فيها مواطنون عرب غير رسميين من جميع الدول، لتشريح الواقع الذي يشكو منه، وربما تأتي منه بعض الحلول الواقعية، لكنه رد علي بأن الجامعة لا تملك الميزانية لهذا اللقاء - رغم أن اللقاء محصور في مقرها مع استعداد الكثيرين لتحمل الاقامة والسفر- فجاء تعليقه مؤكدا تردد بعض الدول في دفع التزاماتها في انعكاس للمنظور السلبي للدول الأعضاء.

قلت له بصراحة ان الجامعة العربية كانت أفضل من الدول الأعضاء في التزامها بمبادئ الميثاق، مشيراً إلى مواقف الدول الأعضاء في فشلها بإدانة الغزو العراقي على دولة الكويت عام 1990، ومنذ ذلك اليوم الأسود انحسرالايمان بهيبة الجامعة العربية ورصيدها في وقف العدوان والتصدي له، وبرزت الارادة العربية المهلهلة في تحدي الغزو، وانحسر وهج الجامعة وانخفضت معانيها السياسية وتكسرت صلابة مبادئها، وكان المتوقع طرد المعتدي من عضوية الجامعة والتشهير بعمله، ومعاملته كعضو منبوذ، وبدلا من ذلك الاجراء، طلعت أصوات تدافع عن الغزو وأصوات تتمايل طربا له، وأخرى تتحايل على المشاعر بالحلول العربية، ومجموعة أخرى اختارت الجلوس على الناصيتين.

وربما كانت المشاعر المتدفقة والمتعارضة لم تسعف العقلاء في ذلك الوقت الصاخب، لكن المفروض، في ضوء تلك المأساة القاتلة، أن تتحرك الجامعة لتطرح ما هو مألوف لدى المنظمات الأخرى، وهو تجميد عضوية أي عضو يتجاوز مبادئ الميثاق، مع الدفع نحو أنظمة عربية تنبع شرعيتها من التوافق الشعبي الجماعي، وليس من انقلابات تقوم بها مجموعات مغامرة تحكم بالحديد والقتل بلا تأهيل علمي وبلا تجارب في فنون إدارة الأوطان.

كما نتمنى من أجل الجامعة ومستقبلها أن تفكر الجامعة بإبراز حقوق الانسان ورعايته، وتأكيد احترام آدميته بطرح مشروع اختيار مفوض لحقوق الانسان العربي، ومثل هذا المشروع الذي كان معقداً ومستحيلاً في الماضي، يمكن أن يطرح الآن، بعد أن انضمت جميع الدول العربية إلى منظمة حقوق الانسان، التي تبنتها الأمم المتحدة بعد نقاش صاخب ومعقد وساخن في لجان الأمم المتحدة، لاسيما في اللجنة الثالثة التي كان الأمين العام للجامعة العربية يمثل مصر فيها خلال أيامي في الأمم المتحدة في السبعينات.

كان مشروع مفوض لحقوق الانسان مخيفاً للكتلة الاشتراكية ولمعظم دول العالم الثالث، لاسيما أنظمة الحكم العسكرية والدكتاتورية، ومن الدول التي لا تحترم حقوق الأقليات، وكان السفراء العرب يتخوفون جداً منه.

كنت أشعر بأن النوايا ليست سليمة، فدول الناتو اختارت حقاً يراد به باطل، وذلك بالتشهير في واقع دول الاستبداد والعبودية، وكنت أتكلم بقوة ضد المقترح ليس بخصومة، وإنما رفض المناورة.

تبدلت الأحوال العربية الآن، فحتى الأمس القريب كان المفوض العالمي لحقوق الانسان من سادة الأردن ومن سلالة الهاشميين، وقام بالمسؤوليات وفق القواعد التي وضعتها الأمم المتحدة.

وأقول للأمين العام ان هضم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمفوض حقوق الانسان، جاء من مناخ وفر الحوار حول الموضوع داخل أروقة المنظمة، وأفرز تراكمية القناعات مع الانفتاح المتدرج.

ولا أشك بأن فضاء الجامعة العربية سيوفر المناخ الملائم للمداولات حول المنافع والمخاوف، ومع مرور الوقت سيتعاظم القبول، خاصة مع انحسار وهج الايديولوجيات.

لم يتوافر للجامعة ولأعضائها الوقت الضروري للحوارات حول القضايا الشائكة، ولم تتمتع الجامعة بتملك الوقت الكافي لإدخال الألفة العربية مع الموضوعات الشائكة، واستمرت في نهجها منذ يومها الأول.

لم تجرؤ الدول الأعضاء في الجامعة على دعم مبادرة ملك البحرين، الملك حمد بن عيسى آل خليفة، في مقترحه لطلب عربي جماعي يوجه للرئيس العراقي صدام حسين للتنحي عن الرئاسة، انقاذاً للعراق من خطة أميركية لإسقاطه، لأن الدبلوماسية العربية لا تهضم أشواك السياسة، ويتسيدها التجمل والمجاملات، بينما يشرح وزير الخارجية السوفيتي السابق يفغيني بريماكوف في كتابه «الكواليس السرية للشرق الأوسط»، في صفحة 373، تفاصيل لقائه مع صدام حسين في مارس 2003، بأنه حمل رسالة خاصة من الرئيس بوتين يدعوه إلى ترك منصب الرئيس والتوجه إلى البرلمان العراقي لإجراء انتخابات ديموقراطية، ويضيف بريماكوف أنه التقى بصدام على انفراد، ولم يكن موجودا أي أحد غير مترجم وزارة الخارجية الروسية، وسأقتبس ما دوّنه: «كان صدام يكتب ما أقوله في نوتة، ثم سألني هل من الممكن تكرار هذه الكلمات في وجود طارق عزيز وممثل من البرلمان العراقي، وهما موجودان في الغرفة المجاورة، وفي وجودهما عرضت رسالة الرئيس الروسي، ويبدي صدام حسين ملاحظة بشيء من العصبية بأن روسيا كذبت عليه عام 1991 حول سحب قواته من الكويت، فرددت عليه بأنك تأخرت في تنفيذ ذلك الاتفاق، ثم ربت على كتفي بصمت وخرج».

بهذا الحوار المثير المستوحى من أفلام الرعب، يظهر المبعوث الروسي جرأة القرار وزمنه، وبعد أيام احتل الجيش الأميركي بغداد وسقط النظام بإغلاق ملف دموي دفع البعيدين للتحرك عندما عجزالقريبون.

لا بد من إحياء الجامعة بحيوية هذا الزمن، واقتباس مستجداته في ميثاقها وسلوكياتها، مع الإلحاح على ضرورة تخلصها من ايقاعات تراث الحكم العسكري الناصري الذي تسيد مصر وتسللت مفاهيمه إلى جسد العمل في الجامعة العربية.

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة