.
.
.
.

الاقتصاد الأوروبي ومكافحة الفيروس

ليونيل لورانت

نشر في: آخر تحديث:

انتقل مركز الإصابة بمرض «كوفيد - 19»، الذي يسببه فيروس كورونا، من آسيا إلى أوروبا كالإعصار، جالباً معه ارتفاعاً في عدد المصابين والموتى والضرر الاقتصادي. بعد مرور عدة أسابيع تتسم بالتشوش، بدا فيها قادة الدول الأوروبية غير قادرين على الوصول إلى استجابة مشتركة للكارثة، التي ضربت قطاع الصحة وثقة المستهلك والأسواق المالية في آنٍ واحد، فإن الأسبوع الحالي يمثل نقطة تحول.
اتخذت إسبانيا وفرنسا خطوات قاسية، مثلما حدث في جارتهما المنكوبة إيطاليا، التي كانت قد قطعت شوطاً بالفعل في فرض حظر منزلي على مواطنيها. كما تخطط ألمانيا لإغلاق حدودها بشكل جزئي، ومنعت النمسا التجمعات التي تحوي أكثر من 5 أشخاص. يفسر هذا الإكراه الحتمي الخاص بالصحة العامة الحاجة إلى خنق اقتصاد دول منطقة اليورو وحرمان المواطنين من أبسط الحريات، لكن الخطر الحقيقي لهذا الركود الشامل يتمثل في تهديد يلوح في الأفق أمام الحكومات، وهو الحاجة إلى محفز اقتصادي لتخفيف وطأة الضربة التي تلقاها الاقتصاد.
وأدَّت زيادة عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا في أوروبا إلى فرض مزيد من السياسات. فطبقاً لبيانات جمعتها مؤسسة بلومبرغ، فإن دولاً مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا تضم أكبر عدد من الحالات المؤكدة للإصابة بكورونا خارج الصين، حيث وصلت إلى 5423 و7753 و24747 حالة على الترتيب. كما زادت سرعة الإصابة والانتشار بالمرض أيضاً، فقاد زادت الإصابة به في فرنسا 5 أضعاف في أسبوع واحد، بينما تضاعف عدد الوفيات في إسبانيا بين ليلة وضحاها. وبعد الامتناع في البداية عن فرض سياسات قسرية تتجاوز إغلاق المدارس، فقد سارعت حكومة فرنسا برئاسة الرئيس إيمانويل ماكرون بشكل كبير يوم السبت إلى إعلان الإغلاق الفوري لأي أماكن عمل غير أساسية، رغم أن فرنسا قد عقدت بشكل مثير للحيرة أول دورة من الانتخابات المحلية كما كان مقرراً لها. لم يعد مرض «كوفيد – 19» متعلقاً بالدول الأكثر إصابة به، مثل الصين أو إيطاليا، بل انتقل قلب إعصار كورونا إلى أوروبا.
ربما كان فرض الإقامة المنزلية على الناس يبدو مخالفاً لمنطقة اعتادت دعم الانتقال الحر وفتح الحدود أمام المسافرين. لكن الأمل في أن هذه الإجراءات ستقلل من انتشار المرض وتخفض معدل الإصابة به، ربما يدفع قطاع الخدمات الصحية إلى نقطة الانهيار. وهذا أمرٌ منطقي الحدوث. ما يبدو أقل معقولية هو إغلاق الحدود؛ حيث إنه في الوقت الذي يبدو فيه أمراً مناسباً لبعض الناخبين، هو في النهاية لا معنى له عندما ندرك أن منطقة شنغن الأوروبية التي لا يتطلب الانتقال بين دولها أي تأشيرات لمساحة، تغطي 4 ملايين كيلومتر مربع تقريباً، وتشمل 400 مليون شخص، وكثيراً من نقاط العبور البرية والبحرية والجوية. وخاصة عند النظر إلى أنه منذ وصول فيروس كورونا المستجد إلى أراضيها، عبرت أعداد كبيرة من الناس الحدود الداخلية بين دول أوروبا، وقد جلب بعضهم على الأقل العدوى معه. لكن مع ذلك وبشكل عام، هناك بعض المنطق وراء ما يُتَخَذ من إجراءات.
السؤال هو هل أوروبا قادرة كذلك على اتخاذ ما يتطلبه الأمر لتعويض التبعات الاقتصادية الناتجة عن وضع عشرات الملايين من البشر قيد العزل؟ ما بدأ هذا العام كضربة للسياحة وسلاسل التوريد متعددة الجنسيات، تمتد عبر الصين، من المرجح أن يؤثر الآن على كل الصناعات. ويقدر أن تؤثر إجراءات العزل التي اتخذتها إيطاليا على قطاعي السياحة والمواصلات بنسبة 90 في المائة، وتجارة التجزئة بنسبة 50 في المائة، وإنتاج المصانع بنسبة 10 في المائة، طبقاً لما قاله الاقتصادي الحكومي السابق لورينزو كودونيو. كما يتوقع الاتحاد الأوروبي انكماش الناتج الإجمالي المحلي للتكتل بنسبة واحد في المائة في العام الحالي. إن استبدال انتشار فيروس كورونا بركود اقتصادي ووضع مزيد من القيود على الخدمات العامة يبدو أمراً مؤلماً.
لكن الأمر المشجع هو وجود زخم دافع لخطط الإنفاق في حالات الطوارئ، فطبقاً لجريدة «ليزيكو» الفرنسية، فإن الحكومة تتوقع إنفاق ما يفوق 30 مليار يورو (33.4 مليار دولار) لتغطية البطالة الجزئية والضرائب والضمانات الحكومية لقروض المشروعات الصغيرة. ويأتي هذا بعد تعهد ألمانيا بدعم المشروعات، من خلال بنك الائتمان لإعادة الإعمار «كي إف دبليو»، الذي تملكه الحكومة، وخطة إيطاليا لصرف 25 مليار يورو. وتعهدت المفوضية الأوروبية بتوفير مليار يورو ضمانات للقروض من خلال بنك الاستثمار الأوروبي.
ربما ينتهي الأمر بظهور التهديد الأكبر للاستجابة الفعالة للأزمة من الولايات المتحدة، وليس من بروكسل؛ حيث لا يوجد كثير من الأمل في أن تقرب محادثة هاتفية جماعية بين رؤساء الدول الصناعية السبع (جي 7) التي كان من المقرر حدوثها الاثنين بين دول أوروبا والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي اتهمها بنشر الفيروس، والذي قال إن بلاده تحكم السيطرة عليه بشكل «كبير».
وباقتباس كلمات العالم الفرنسي لويس باستير (بشكل غير موفق) فإن الكلمة الأخيرة ستكون للفيروس. فإذا فشل منحنى الإصابات في الانخفاض كما هو مأمول بمرور الوقت، فمن الصعب تخيل أن إنفاق مزيد من المال سيهدئ الناخبين المعزولين في المنازل أو الأسواق المتذبذبة. لكن في الوقت الحالي، هناك بصيص من الضوء وسط الظلام. فخيار أوروبا بتجميد اقتصادها لعلاجه، وحدوث ركود، أمرٌ محتمل، لكن الالتزام المتزايد للحكومات بتوجيه ميزانياتها لعلاج الأزمة لتخفيف الضربة التي وجّهها كورونا هو تطور مرحب به.
وحتى ينتشر هذا في دول العالم بشكل أكبر وأكثر تنسيقاً، فإن أي احتفال بالتغلب على الفيروس سيكون سابقاً لأوانه.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.