.
.
.
.

فى مسألة الحجر المنزلى!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

ثلاثة شروط تجعل من الإنسان هدفًا مثاليًا لفيروس الكورونا: أن يكون متعديًا لسن السبعين، وأن يكون مريضا بنقص المناعة، وأن يعانى من مشكلات فى الصدر قلبا كان أو رئة. أفراد الأسرة عرفوا الشروط عن ظهر قلب، ومن ثم كان الإلحاح على البقاء فى المنزل الذى هو الاسم الحركى للحجر الصحى، والعزل الاختيارى. لم يكن البقاء من الأمور المكروهة، فكثيرا ما كان فرصة للقراءة والكتابة والاستعداد لأمور من محاضرات إلى ورش عمل إلى تقدير لموقف خطير؛ المهم فى كل ذلك هو الابتعاد عن أمور إدارية ومالية لم تكن دائما سعيدة.

لم يكن فى كل ذلك جبرا من أى نوع، وهذه المرة صاحب الإلحاح الأسرى قرارات سيادية بمنع التجول، وصيحات عالمية بأن حل معضلة «كوفيد- ١٩» هى أن يبقى الإنسان فى منزله. بات الأمر محزنا عندما ذكرت شبكة CNN الإخبارية أنهم فى إيطاليا بات عليهم الاختيار فى استخدام أجهزة التنفس ما بين من تعدى السبعين الذى لديه فرصة قليلة فى النجاة، والشاب الذى توجد لديه فرصة كبيرة وشبه مؤكدة للحياة. لم يكن فى هذا الاختيار ما يعطى الفرصة لكبار السن مهما كان الأسف على القرار الصعب؛ ولم يعد هناك بد من الابتعاد عن الاختيار ذاته بالعزلة، طالما أن «الجائحة»، وهى كلمة لم أكن أعرف ماذا تعنى من قبل، قد حلت. العجيب أن الكلمة كثر استعمالها وبعفوية شديدة من الكتاب والمعلقين، وأيا كان أصلها وفصلها، فإنها تعنى أمرا صعبا وعصيا، وكارثيا باختصار. السؤال الذى لا يقل صعوبة هو ماذا يفعل الإنسان فى عزلته فى هذا الزمن «الجائحى»؟

الحقيقة أن هناك الكثير الذى يمكن فعله ليس كما هو معتاد بالقراءة والكتابة وإنما بمراجعة حال حجرة المكتب فى المنزل التى عاهدت نفسى على إعادة ترتيبها قبل سنوات، وتنظيم الكتب فيها، والملفات التى مضت على بعضها عقود. كل ذلك كان مفصحا بقرار التأجيل كما جرت العادة فى محاولات مسبقة، فوجود كتب لم يمسسها بشر لأكثر من أربعين عاما لا يعنى وجوب التخلص منها، فمن يعلم متى سوف يأتى وقتها. ولكن الأمر لم يخل من اكتشاف «التاريخ» ليس الفكر أو تطور الحياة فى العالم أو فى مصر المحروسة، وإنما جزء مهم من التاريخ الكونى. فى الأزمنة القديمة كان «القلم»، والقلم الحبر خاصة، أو «الأبنوس» كان هو الهدية المعتادة فى أعياد الميلاد، أو عند الحصول بسلامة الله على شهادات التخرج أو حتى الثانوية العامة. لماذا احتفظتُ بهذه الأقلام لا أعرف، وربما كانت هناك حكمة من نوع أو آخر، فلم يعد هناك حبر حتى يمكن استئناف الكتابة مرة أخرى.

والسؤال: هل يمكن التخلص من آثار الماضى بهذه السهولة؟، وماذا لو كان الحال هو مجموعة كبيرة من الشرائط المسجل عليها مجموعات غنائية، أو أحاديث أدليت بها فى الإذاعة وتم تسجيلها؟، ولكن يا ترى أين توجد تلك الآلة اللعينة التى يدس فيها الشريط، وبضغطة يكون ما سجل عليها فى متناول السمع؟. المشكلة أن هذه الشرائط كانت حديثة نوعا ما، فقد باتت المشكلة فى البحث التاريخى عن «الأسطوانات» خاصة أن «كينى روجرز» قد ذهب مؤخرا إلى رحمة الله، وكان هو و«باربرا ستريساند» ممن لا يمكن تجنبهم بالنسبة لطالب وصل توا إلى الولايات المتحدة فى ٢٩ سبتمبر ١٩٧٧. ولكن ما وجدته ولم يكن قديما كل القدم هو مجموعة كبيرة من «السيديهات» التى كان معظمها لنفس الأغانى والموسيقى التى كانت موجودة على شرائط، ولعل ذلك يعطى سببا لمن يظنون أن أزمان الموسيقى والغناء قد توقفت قبل نصف قرن، فى جيلنا على الأقل الذى يصر على أن ذلك كان الزمن الجميل الذى لم يأت بعده جمال.

ماذا حدث للسيديهات؟، ولماذا لم يعد مجرى «السى دى» موجودا فى «الماك برو» الخاص بى، الذى يبدو أنه صار البديل الكامل للمكتبة من كتب وملفات وأغان وأفلام؟. ولكن الصدفة كشفت عن وجود الأسطوانات الخاصة برسالة الدكتوراه والتى عندما جاءتنى فى البريد فى سبتمبر ١٩٨٢ كان على أن أذهب إلى «المصنفات الفنية» لأن أحدا لم يكن مقتنعا بأن رسائل الدكتوراه يمكن أن تكون على أسطوانة، وهذه على أى حال لم يعد ممكنا طبع نسخة إضافية منها. المفاجأة كانت العثور على بدايات كتب مخطوطة، ولا أدرى ما الذى حدث فى الدنيا لكى يتم تأجيل كتاب «الأهرام: الدولة والثورة».. آه الجائحة والعزل الصحى يكشفان أمورا كثيرة!

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة