.
.
.
.

الافتراء على الله بفيروس كورونا

حسناء القنيعير

نشر في: آخر تحديث:

انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي افتراءات على الله، وتعني العظيم من الكذب، يزعم أصحابها أن (كورونا)ذُكر فى القرآن الكريم وتحديدًا فى سورة المدثر، وربطوا بعض ألفاظ السورة به. فهل لهذه المزاعم من سند شرعيّ أو لغويّ اعتمد عليه مروجو الافتراءات والأكاذيب؟ وأين هؤلاء من الآيات والأحاديث التي تحذر من الافتراء على الله ورسوله؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبار هؤلاء مسلمين صادقي الإيمان بالله وما أنزله في كتابه؟

لا ريب أنّ أصحاب هذه المقولات المنحرفة من المشعوذين والدجالين، فهم لا يتركون مناسبة أو ملمّة من الملمات إلا استغلوها غير عابئين بما ينشرونه من تدليس لكلام الله، فيغرسونه في أذهان العامة والبسطاء الذين يطيرون بها فيعملون على نشره بكل الوسائل.

ومما روّجه المرجفون والدجالون علاوة ذلك، زعمهم أن من يضع شعرة في المصحف في سورة البقرة ثم يضعها في الماء ويشربها، فهي تشفيه من كورونا، وأنه إذا تساوى الرقمان 20 / 20 فإن ذلك يعني نهاية العالم.فكيف يتجرأون على قول ذلك وما من أحد يعلم قيام الساعة سوى الله؟
وهذه الافتراءات ليست بجديدة عليهم، فسبق أن ادعوا أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية مذكورة في الآيتين 109 و110 من سورة التوبة.

باديء ذي بدء نقول إن سبب نزول سورة المدثر، يُفهم مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "جاورت بحراءَ، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا...، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني، وصُبُوا عليّ ماءً باردًا . قال: فدثروني وصَبُوا عليّ ماءً باردًا، قال: فنزلت يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر".

أمّا ما يتعلق بسياق الآيات فقد جاء مرتبًا ترتيباً دقيقاً؛ يتضمن أمرًا بالإنذار وبالصبر، يتبعه الحرص على نقاء السريرة، والاستعداد لمواجهة الأعداء، ثم تحذير هؤلاء الأعداء وتخويفهم، وبعد ذلك يظهر مشهدان مشهد أهل النار ومشهد أهل الجنة .فقد لخصت السورة القصة من أولها إلى آخرها منذ أن قال كلمة(قُم) إلى أن استقرّ أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. فلا شيء في السورة مما يزعمون.

وفيما يتعلق بالألفاظ التي ربطوها بالفيروس؛ قولهم إنّ التسمية الشرعية والحقيقية له هي (الناقور) كما في الآية: (فإذا نقر في الناقور). وأن كلمة (ناقور) مرادفة للفيروس المستجد! فلا أدري على أي أساس قالوا بترادف كلمتي ناقور والفيروس، والترادف في اللغة يعني: اتفاق كلمتين أو أكثر في المعنى واختلافهما في المبنى، مثل الجود والسخاء، والنور والضياء.

وكلمة ناقور كما جاء في لسان العرب: "الصُور الذي ينقُر فيه المَلَك، أي ينفخ "، والنَّاقورُ : اسم من أسماء الآلة؛ من نقَرَ على وزن فاعول مثل ساطور. وذكر المفسِّرون أنَّ الناقور هو الصُّور الذي يُنفخ فيه يوم القيامة. فقوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور) مثل قوله: (فإذا نفخ في الصور). فأين الترادف الذي يدّعون بين الكلمتين؟ فالأولى تدل على بوق والثانية تدل على مرض وهي كلمة غير عربية.

ويذهب بعضهم بعيدًا فيزعم أن كلمة كورونا corona " لا تجوز، لأنها مشتقة من القرآن Coran وهذا من كيد الكفار والعياذ بالله"! وقولهم هذا يدل على عمق جهلهم؛ فالمصطلح "coronavirus" أجنبي مُعَرّب (فيروس كورونا)، وأصله من( اللغة اللاتينية: corona)، وتعني التاج أو الهالة الشمسية، فالاسم مأخوذ من الشكل المميز لجزيئات الفيروس التي تحتوي على بروزات في أعلاها كما يظهر عبر المجهر، فتبدو على شكل تاج الملك أو الهالة الشمسية. وهذا الأسلوب القائم على التشبيه معتاد لدى الغرب ولدى العرب في وضع المصطلحات الطبية المعتمدة على المجاز من باب التشبيه،وسبق أن شرح ابن سينا في كتابه (القانون في الطب) سبب تسمية مرض السرطان بهذا الاسم، فقال: إنما سمّي بذلك لأن خليته تشبه حيوان السرطان في الشكل واللون، وكذلك في العمل حيث يفتك المرض بصاحبه كما يفتك السرطان بفريسته.

ويسترسل أولئك المرجفون في الافتراء على الله، بتغريدة نصّها "إن هذا الفيروس الذي حير العلماء سموه (covid19) لأنه ظهر أواخر 2019، وقد ذُكر ذلك في الآية: (لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر،عليها تسعة عشر)". وسرعان ما سرت هذه الأكذوبة سريان النار في الهشيم، فغردت أخرى بقولها: "عليها تسعة عشر كورونا (covid19) الله أكبر أليس هذا إعجازا"، فينتشي آخرُ بقولها مغردًا: "وما يعلم جنود ربك إلا هو، هكذا أبت إرادة الله ألّا تمضي 2019 دون أن تكون دليلاً علي الإعجاز الإلهي لأحد جنود الله"! ومما يثبت جهلهم هو أن الرقم تسعة عشر لا يدل على تاريخ حدث أو غيره، إنما يدل على خزنة جهنم "مِنْ مُقَدَّمِي الزَّبَانِيَة عَظِيم خَلْقَهمْ غَلِيظ خُلُقِهمْ". ولاحظوا مقدار الجرأة على تحريف كلام الله من فيمن رأت في الرقم إعجازا بدلالته على تسعة عشر كورونا وليس على خزنة جهنم!

وزعموا أيضا أن" آية (وجعلت له مالًا ممدودًا وبنينا شهودًا) تشير إلى الصين التي يزيد سكانها على مليار و300 ألف نسمة (بنين شهودا)،وهي إحدى أقوى اقتصادات العالم (مالًا ممدودًا) ". وتفسير الآية لا علاقة له بما زعموه لا حقيقة، ولا مجازا، فـ(مالاً ممدوداً) أي واسعاً كثيراً، قيل: ألف دينار، وقيل: مائة ألف دينار، و( بنين شهوداً) قال مجاهد: لا يغيبون، أي حضورًا عنده لا يسافرون ! فأيُّ تحريف هذا ؟
إنّ أيّ افتراء وتجرؤ على الله بتحميل آياته ما لا تحتمل من دلالاتٍ فاسدة وتفسيراتٍ خاطئة، محرّم شرعًا، بآياتٍ وأحاديثَ، ومن هذا قوله تعالى:(قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)، بل إنّ الله سمّى التقول عليه كذبًا، وجَعلَه مِن أعظم الفَواحِش في قوله:( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ... وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) قال ابن الجوزي في قوله تعالى: (وأن تقولوا على الله مالا تعلمون )" عامٌ في تحريم القول في الدين من غير يقين".

ونُقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم تحذيره من تفسير القرآن بمجرد الرأي دُون سند من دليل شرعيّ أو لغويّ معتمد، فقال: "مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، وقال ابنُ كَثيرٍ: "فأمَّا تفسيرُ القُرآنِ بمُجرَّدِ الرَّأي فحَرامٌ". أي أن يتكلم في معنى القرآن، أو قراءته برأيه، من تلقاء نفسه، من غير تتبع أقوال المفسرين وأهل اللغة العربية المطابقة للآيات القرآنية.

ختامًا متى يعلم هؤلاء المشعوذون والحمقى أن العالم اليوم يسير بالعلم والتخطيط العقلاني للأمور، وهذا لا يتعارض أبدا مع مبادئ ديننا ومقاصده الكبرى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.