.
.
.
.

محمود جبريل هزم الإخوان وقطر وخسر ضد كورونا

خليل ولد اجدود

نشر في: آخر تحديث:

أمضيت عدة أشهر من عامي 2011 -2012 في تغطيات ميدانية من ليبيا وقد أتيحت لي فرصة التعرف عن قرب على الدكتور محمود جبريل، رئيس الوزراء الأسبق في هذه الفترة، التي ملأ فيها الدنيا وشغل الناس وجعل الجميع يسير خلفه نحو باب العزيزية عرين القذافي، رغم قامته القصيرة وصوته الخافت الذي وصل جميع أنحاء ليبيا.

بنى محمود جبريل بهذه الكاريزما والمهارات القيادية وبشخصيته القوية إجماعًا غير مسبوق وقضى معظم وقته خلال الانتفاضة الشعبية في جولات خارجية مكوكية لحشد الدعم الدولي للثوار.

كان واثقا من أن معمر القذافي لن يستطيع أبدا استعادة ثاني أكبر مدن البلاد ومهد انتفاضتها الشعبية بيد أنه لا يخفي في حديثه معنا بمقهى الفندق أو في الجناح الخاص به هواجس بشأن تقسيم البلاد وفي الصباح أتفقد مع زملائي حراسات الفندق وهل ما زالت ترفع علم الاستقلال قبل أن أرتشف قهوة الكابتشينو الإيطالية المفضلة في المدينة المتمردة على سلطة القذافي.

وفيما كان يبحث مقترحات لوسطاء من بينهم قادة في الاتحاد الإفريقي ويفاوض لحل سياسي لم يدخر جبريل جهداً من أجل تكثيف الضغط على كتائب القذافي حتى تتقهقر إلى الغرب من الوادي الأحمر.

وبالتزامن مع الجمود العسكري ومحاولة الوسطاء استثماره في اتفاق لإطلاق النار يبقى الوضع القائم ووجود قوات القذافي عند منتصف الطريق إلى بنغازي لفترة طويلة شرع في تأسيس وتجهيز غرف للعمليات في أكثر من موقع لبدء التحضير لمعركته الكبيرة "فتح طرابلس".. غرفة في جزيرة جربة جنوب تونس وأخرى في الزنتان وثالثة داخل طرابلس نفسها.

وهكذا حارب هذا السياسي الفذ والخبير في التخطيط الاستراتيجي على أكثر من جبهة لتحرير بلاده من قبضة القذافي الحديدية ولم يتوقف عن الحديث في هاتفه الخلوي وتنقل من اجتماع إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.

وفي غضون أشهر استولت قوات المعارضة على العاصمة طرابلس وأصبح المجلس الانتقالي وحكومته يديران البلاد.

رأى محمود جبريل في انتشار السلاح والميليشيات خطرًا على مشروع ليبيا ما بعد القذافي ووضع خطة لنزع سلاح الثوار ودمجهم في قوات الجيش والأمن لكن أمير قطر السابق حمد بن خليفة عارض تطبيق الخطة وتمت شيطنة جبريل والتحريض عليه في الإعلام القطري وقاد هذه الحملة إسماعيل الصلابي وعبد الحكيم بلحاج وآخرون.

تخلى جبريل عن رئاسة الحكومة وابتعد عن الواجهة ليتفرغ لمعركة سياسية وانتخابية حاسمة مع جماعات الإسلام السياسي المدعومة من قطر وتركيا.

وأسس تحالف القوى الوطنية وبدأ في التحضير للاستحقاقات الانتخابية وشرع في جولات داخلية طويلة زار فيهامعظم المدن والقرى لشرح برنامجه وطموحه لليبيا الغد.

عدت إلى بنغازي لتغطية انتخابات 2012 ساندت قطر بقوتها الناعمة من مال وإعلام الأحزاب والتنظيمات المتطرفة، وفي مقدمها حزب الوطن الذي أسسه عبد الحكيم بلحاج القيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، وحزب العدالة والبناء فرع الإخوان في ليبيا.

و مع فوز "الإسلاميين" في تونس ومصر والمغرب توقع كثيرون استمرار المد الانتخابي الأصولي في ليبيا وأن يكون التنافس مع التيار الديمقراطي والوطني أقل حدة بالنظر إلى تهجير نخب البلاد الثقافية والسياسية والتضييق عليها وشيطنتها على مدى أربعة عقود.

بيد أن "أستاذ التخطيط الذي أطاح بالقذافي" نجح بكاريزميته ومصداقيته في خلق المفاجأة اكتسحت قوائم التحالف البرلمان ومني حزبا الوطن والعدالة والبناء بهزيمة نكراء.

كيف واجهت قطر هذا الإخفاق؟

تحرك الشيخ علي الصلابي رجل الدوحة القوي والعقل المدبر للجماعات الأصولية في ليبيا بسرعة وضخت سلطة قطر الكثير من المال لعقد حلف مع المستقلين والقبائل بهدف منع محمود جبريل الفائز في الانتخابات من تولي رئاسةالحكومة، وعندما فاوضه الإخوان سرا في الأردن على حصتهم من ليبيا رفض تقديم تنازلات جوهرية ودعاهم إلى الاحتكام لصناديق الاقتراع وتكررت هزيمتهم في انتخابات 2014.

قابلت جبريل نفس العام في أصيلة شمال المغرب

لم يكن مهتمًا باستعادة موقعه في الساحة السياسية وقد فقده في انقلابين متتاليين على الشرعية الانتخابية بقدر ما كان مهتمًا بالتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار ينهي نزيف الدم الناجم عن عملية فجر ليبيا التي تم التخطيط لها في فنادق الدوحة.

وخلال السنوات الأخيرة من حياته استمر في العمل بنفس الوتيرة لحقن الدماء وتحقيق المصالحة وتفادي تقسيم ليبيا الممزقة بين مجموعات مسلحة وحكومتين وبرلمانين متنافسين وتفاقم هذا الانقسام واشتد الاقتتال بعد فشل اتفاق الصخيرات وبدء التدخل العسكري التركي.

ومنذ تشريع نشاط وقرارات تنسيقية العزل السياسي الأصولية وتمكين الميليشيات من السيطرة على مؤسسات الدولة وتزايد نفوذ قادتها في الشأن العام وجد جبريل في دبي وعمان والقاهرة منأى للكريم عن الأذى وفشل مشروع "أنسنة" و"دمقرطة" وتوحيد ليبيا وخسر معركته الأخيرة مع فيروس كورونا المستجد في أحد مستشفيات القاهرة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.