.
.
.
.

«كورونا».. وحصاد الكتب

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

كيف تنتفع من أذى مكروب «كورونا»؟.. كان هذا أصدق استفسار أتبادله هذه الأيام مع الذين كنت أتواصل معهم بالهاتف، ومن بديهيات المنطق أن نتعرّف آليات قضاء الوقت الذي توفَّر لنا من فرص البقاء في المنازل، وفق قرارات الدولة في حربها مع البلاء، الذي تمكّن من جميع بقاع العالم، ومن الطبيعي أن تتنوّع وسائل قضاء الوقت.. البعض يرسمون، وآخرون يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي، ويقرؤون ما تقدمه من أخبار متعددة في السياسة والسياحة وحول التقشّف والكساد..قضيت الأسبوع الماضي في قراءة ثلاثة كتب تعالج قضايا مختلفة، تعبّر عن قناعات كُتّابها، وتترجم آراءهم ومشاعرهم، وأولها كتاب ألّفه الكاتب المصري محمد حسنين هيكل، حول عهد الرئيس حسني مبارك، أصدره قبل وفاته في عام 2016، بعد تنازل الرئيس مبارك أمام الأحداث الصاخبة في عام 2011. لم يكن هيكل مُنصفاً، ولا موضوعياً، واستفاد من الظروف المضطربة، التي كان أبرز حصادها تنازل الرئيس حسني مبارك، بسبب قوى مختلفة التقت مواقفها في ضرورة إنهاء مرحلة حسني مبارك، ومع فقدان السطوة وتنحّي الرئيس، جاء الزمن الملائم لتناول زمن مبارك بما ينسجم مع نزعات الكاتب، الذي لم يكن مقتنعاً به كقائد لمصر، وإنما رسم صورة لمبارك، حيث صوّره إنساناً لطيفاً، لا يعترض ولا يعاكس ومسالماً، وأن الرئيس السادات انتقاه لهذه المكوّنات التي تتناسب مع السادات، ولأن الأستاذ هيكل على خلاف جوهري مع سياسة السادات في التعامل مع إسرائيل حول سيناء، ولأن الرئيس مبارك التزم هذه السياسة، وحافظ على المعاهدة المصرية ـــــ الإسرائيلية، نصّاً، وليس بالضرورة روحاً، فقد كان لا مفر من التباعد، رغم عروض الرئيس عليه، ليشارك في إدارة الحكم. ويرفض هيكل، رغم تعدد العروض، وتدخل العلاقات لفترة برود ينهيها الرئيس حسني مبارك بالاتصال ليعرض عليه العلاج في أميركا، عندما تعرّض لأزمة صحية تستدعي سفره إلى هناك، فيعتذر لأنه يود العلاج لدى البروفيسور مجدي يعقوب في لندن، حيث يذهب وينصحه د.مجدي بالسفر إلى أميركا، وتظل العلاقات في برودها، لأن تقييم هيكل لإدارة الرئيس حسني مبارك لم يكن إيجابياً.. وعندما أراد هيكل تأليف كتاب عن الغزو العراقي لدولة الكويت، قدّم له حسني مبارك جميع الوثائق التي تتناول هذا الموضوع، والغريب أنه لا يرى فيها ما ينفع، وأنها سُجلت بعد الأحداث، ولم تُدوّن أثناء أثقال الغزو وحرارته، ويتوجّه هيكل إلى الأردن، حيث يلتقي الملك حسين الذي جلس معه جلسات طويلة لمدة يومين مع غداء، استمر تسع ساعات، ولم يكن هيكل متأثّراً لواقع الغزو، وإنما كان يبحث عن مادة مثيرة تضعف من روايات حسني مبارك عن وساطاته وعن دوره في القمة العربية في أغسطس 1990. ويخرج الكتاب عن الغزو متوافقاً مع منظوره بالدور الأميركي المتآمر المدبّر، ويميل إلى الاستخفاف بدور حسني مبارك، ويقلل من الشأن الخليجي ـــــ السعودي، يسمي دول الخليج مملكات ومشيخات الخليج، ويتهم الرئيس حسني مبارك بتحضير الأجواء لكي يخلفه ابنه، مقتبساً سابقة حافظ الأسد في سوريا.. وقفت كثيراً عند الفصل الذي خصصه هيكل لشرح موضوع أشرف مروان وعلاقاته مع هيكل ولقاءاته في لندن، ويسرد بنقد لاذع تعامل الحكومة المصرية مع ما يجري تناوله عن جاسوسية أشرف مروان وارتباطه بإسرائيل، ويسجل هيكل بوضوح أنه استعان ببعض أصدقائه من العرب الأعضاء في الكنيست الإسرائيلي، للحصول على تفاصيل أكثر، ويجد في بعض الأوراق التي أُرسلت إليه من إسرائيل محضر اجتماع الرئيس أنور السادات مع القادة السوفييت، في زيارة سرّية، طلب فيها الرئيس السادات نوعا من الطائرات الحربية البعيدة المدى، ويكتب هيكل الذي كان على علم سابق بمحتويات المحضر، مندهشاً من كيفية وصول تلك الوثيقة الخطيرة إلى إسرائيل، وينشر المزيد من التفاصيل التي أخذتني وأنا أقرؤها إلى استذكار أفلام المخرج البريطاني هتشكوك، وكنت مندهشاً لأن هيكل يسجل اتهامه للسلطات المصرية بإهمال التحقيق والتدقيق عبر لجنة مختصة، لأن إسرائيل لم تتردد في إجراء بحث عميق عن مصداقية مصدرها المهم داخل الجهاز المصري، ويتهم هيكل الحكومة المصرية بالتقصير المقصود.. والكتاب الثاني الذي قرأته، يتناول حياة السيدة مارغريت تاتشر، الذي ألّفه تشالز مور، الذي اختارته السيدة تاتشر ليكتب حياتها، في ثلاثة أجزاء، تشكّل ألفين وخمسمئة صفحة تقريبا، والذي يهمني استخلاص حالة المزاج السياسي للسيدة تاتشر، كان تعاملها مع أعضاء حكومتها ناشفاً ورسمياً، يخلو من الحميمية، وفيه خروج عن أصول الأدب، فتشخط بالوزراء ولم يكن ذلك محصوراً في سياسيي بريطانيا، وإنما تواجه قيادات الاتحاد الأوروبي بنغمة المصارعة مع انعدام الإيمان بأهداف الاتحاد في الوحدة، مع اعتزاز بمكانة بريطانيا التاريخية التي لن تضيع وسط ساحات الخلافات الأوروبية، لكن أكثر ما يلفت النظر هو كراهيتها لوحدة ألمانيا ومعارضتها للوحدة، رغم التأييد الأميركي والجماعي، وكانت تستذكر التاريخ بشيء من المرارة، عندما تقف عند الاتفاق السري بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفييتي أيام ستالين، فينبع من تلك الذاكرة الشعور المتجذر لدى السيدة تاتشر، فلا تطيق هلمت كول زعيم ألمانيا، وتثق بالزعيم الروسي غورباتشوف، وتفتقد مرحلة الرئيس الأميركي ريغان الذي شكّل معها ثنائياً مؤثراً في إدارة شؤون حلف الأطلسي، حيث أصبحت علاقتها مع الرئيس بوش صداقة من دون حميمية مؤثرة، كما كانت مع سابقه. كانت تكره المستعربين في وزارة الخارجية البريطانية، وتبعد توصياتهم، وأقالت وزير الخارجية السير جيفري هاو Sir Geoffrey Howe، وأبعدت وزير المالية نيجل لوسون Nigel Lawson، الذي اختلف معها حول العلاقات مع أوروبا.. والكتاب الثالث، هو مذكرات وزير الخارجية البريطاني جاك سترو Jack Straw في عهد بلير، الذي شرح حجم الخلافات داخل إدارة الرئيس بوش الابن، لا سيما بين وزارة الخارجية التي يرأسها كولن باول، ووزارة الدفاع ومساعدي الرئيس في البيت الأبيض، وصراع الطرفين ووقوع الرئيس بوش في شِباك المتطرّفين، مثل نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع، والمستشار جون بولتون، ويشير أيضاً إلى خلافه مع رئيس الوزراء بلير في قضيتين؛ حماسة بلير لإسقاط نظام العراق ودعمه الرئيس بوش، وحول تعاطفه مع إسرائيل.

نقلا عن القبس

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.