.
.
.
.

نهاية أوسلو!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

رغم الطغيان الشديد لأخبار «كوفيد- ١٩» على أجهزة الإعلام المحلية والأجنبيةَ، وعلى اهتمامات الشعوب والحكومات والمنظمات الدولية والمراكز البحثية الاستراتيجية، فإن معضلات الجغرافيا السياسية الدولية لم تفقد قوة اندفاعها الذى عرفته السنوات التى سبقت الوباء وتسببت فى صراعات مسلحة تختلف حدتها من وقت لآخر. وعندما حاولت الأمم المتحدة أن تستغل الفرصة التى أتاحها انشغال جميع الدول والكيانات السياسية بالمرض سريع الانتشار وتدعو إلى وقف القتال فى الصراعات الدولية فإنها لم تجد آذانا صاغية اللهم إلا ممن أرادوا هدنة لالتقاط الأنفاس استعدادا لجولات أخرى من القتال.

فالأزمة السورية لاتزال ملتهبة بين الأطراف الإقليمية المشاركة مثل تركيا وإيران، أو الدولية المتداخلة مثل الولايات المتحدة وروسيا، وما زاد عليها أثناء طغيان الكورونا هو أن توترا جرى بين السلطة السورية وروسيا، وبين هذه الأخيرة وإيران، واستخدمت تركيا حالة الأزمة فى نقل مقاتلين إرهابيين إلى غرب ليبيا فاستحكمت أزمتها هى الأخرى فى مواجهة ساخنة مع الجيش الوطنى الليبى. الأزمة اليمنية رغم الوقف المؤقت لإطلاق النار، فإنه لم يصل إلى هدنة مستدامة، ومع ما جرى انفجر الموقف العسكرى بين الحكومة الشرعية وجماعة المجلس الانتقالى الجنوبى، مما استدعى العودة إلى الرياض مرة أخرى بحثا عن حل.

ولا توقفت التحركات الإسرائيلية نحو ضم أراض فلسطينية رغم مناورات تشكيل الوزارة وما بعدها من تفاعلات تدخلت فيها الولايات المتحدة لإنقاذ «صفقة القرن». كان نتنياهو رئيس الوزراء هو الذى أعاد تكرار نيته على ضم أراضى غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية.

وأخيرا جاء الرد الفلسطينى على هذه الإعلانات المتكررة متضمنا إلغاء اتفاق أوسلو الذى مضى عليه الآن أكثر من ربع قرن وكان أساسا لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، وعقد هذه الاتفاقيات للتنسيق الأمنى مع إسرائيل.

.. الخطوة الفلسطينية لم تكن مفاجئة لأحد لأن الرئيس أبومازن لم يكف منذ أعلنت الولايات المتحدة عن نيتها عن عقد «صفقة القرن»، وحتى بعد أن أعلنتها فى حزمة مهينة للشعب الفلسطينى، فإن رئيس السلطة الوطنية لم يكف عن التهديد بإلغاء كل الاتفاقيات الواقعة بين السلطة وإسرائيل. ورغم أن هذه الاتفاقيات عديدة ومتشعبة إلا أن الجزء الأمنى منها هو أكثرها حساسية لأن إلغاءها يعنى عمليا فتح الأبواب لعودة الكفاح المسلح مرة أخرى، وهو صدام يعيد الصراع الفلسطينى الإسرائيلى إلى مربعه الأول.

وهو أمر لا يخل من مغامرة، فالظروف الفلسطينية الداخلية ليست فى أحسن أحوالها، فهناك تناقضات عديدة داخل منظمة فتح وهى التنظيم الرئيسى داخل منظمة التحرير الفلسطينية ومن الصعب حلها بالتوازى مع عملية أطلقها الرئيس أبومازن قبل لم الصف الفلسطينى فى الضفة الغربية.

الانقسام الفلسطينى الأكبر هو بالطبع مع تنظيم حماس فى غزة والذى يتصرف كما لو كان دولة فلسطينية مستقلة لها سياساتها الخارجية وتفاعلاتها الخاصة مع إسرائيل التى سارت فى اتجاه التفاوض على هدنة ممتدة بين الطرفين، وما أوقفها حتى الآن أن إسرائيل تقترح وقف العلاقات بين غزة وإيران.

ولكن الأمر الهام هنا هو أن القرار الفلسطينى يأتى رغم وجود الكثير من الاعترافات الدولية بالسلطة الفلسطينية فى وقت لا يوجد فيه لدى السلطة احتكار شرعية استخدام السلاح.

هذه الحالة تمنع تماما وضع استخدام القوة المسلحة فى خدمة السياسة والدبلوماسية الفلسطينية واستراتيجيتها فى التحرير والانعتاق من الاحتلال الإسرائيلى. ولا يقل خطورة عن ذلك أن اتفاق أوسلو لا يتضمن جوانب أمنية فقط، وإنما جوانب اقتصادية هامة وترتيبات لعمل الفلسطينيين داخل إسرائيل وحتى سفر القيادات الفلسطينية من المطارات الإسرائيلية، وغيرها أمور كثيرة سوف تتأثر سلبا عند ترجمة نهاية أوسلو إلى واقع.

المؤكد أن الخطوة الفلسطينية لم تختر الوقت المناسب لا فلسطينيا نتيجة الانقسام المعروف، ولا إقليميا وعالميا أيضا. ومنذ بدايات العقد الماضى، ومع ما سمى بالربيع العربى، ومنطقة الشرق الأوسط كلها تعيش فترة حرجة وقلقة من تاريخها اختلطت فيها الحروب الداخلية بالإقليمية بتلك العالمية.

ومع أزمة الكورونا المستحكمة، ومعها الأزمة الاقتصادية العالمية وفوقها أزمة انهيار أسعار النفط، فإن الدنيا كلها لا يبدو أن لديها فسحة من الوقت أو مساحة من العمل لكى تستقبل القضية الفلسطينية إلى الساحة مرة أخرى.

صحيح أن هناك مساحات محدودة من الاهتمام داخل المجتمع الأهلى العالمى، وهناك نظرة أفضل للقضية داخل الجناح التقدمى فى الحزب الديمقراطى الأمريكى، وكذلك داخل صفوف الاتحاد الأوروبى استنكارا للسلوكيات الإسرائيلية، إلا أن كل ذلك لا يوازن الاهتمامات العالمية والإقليمية الأخرى. فى نفس الوقت فإن المأزق الفلسطينى يتبدى فى أن «صفقة القرن» لم تترك نافذة للسلطة الفلسطينية للقبول بها، وهى تمنح إسرائيل سيطرة على القدس كعاصمة «غير مقسمة» والسيطرة على الأمن فى الضفة الغربية. إنها تسمح لإسرائيل بضم 30 بالمائة من الأراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية، وتحويل الكيان الفلسطينى إلى عدة جيوب غير مرتبطة داخل دولة إسرائيل. وفوق ذلك يرفض مبدأ حق العودة للاجئين الفلسطينيين ويمنح إسرائيل حق النقض (الفيتو) على إعادة توطينهم فى الكيان الفلسطينى. فمتى يكون القرار الفلسطينى إذن إذا لم يكن الآن؟

ما يجعل المأزق الفلسطينى مستحكما أكثر أن الرأى العام فى فلسطين وإسرائيل ليس مواتيا لعلاقة سلام أو حتى هدنة بين الطرفين. وفى مقال هام نشره د. خليل شقاقى فى ٦ مارس الماضى فى دورية «الشؤون الخارجية» الأمريكية ذكر أنه «من المسلم به أن الرأى العام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لم يكن قوة للسلام قبل إعلان خطة ترامب، الآن، ومع ذلك، أصبح على نحو متزايد عقبة أمام السلام. على الجانب الإسرائيلى، تشجع خطة ترامب الجناح اليمينى الإسرائيلى وتخلق توقعات أكبر بأن خطة السلام يجب أن تلبى المطالب الإسرائيلية القصوى، وليس الدنيا، بشأن جميع القضايا المتعلقة بالصراع. على الجانب الفلسطينى، بدأ الطلب على حل الدولة الواحدة فى الاشتداد بالفعل نتيجة للتوسع الاستيطانى، والتحول نحو سياسات اليمين فى إسرائيل، وصعود حماس، وفشل القيادة الفلسطينية فى تحديها بشكل فعال الوضع الراهن، اعتبارا من فبراير، اعتقد 61٪ من الفلسطينيين أن حل الدولتين لم يعد ممكنًا، و37٪ فضلوا التخلى عن الفكرة والمطالبة بحل الدولة الواحدة بدلا من ذلك»، وفى استطلاع للرأى جرى فى فبراير الماضى أيد ٦٤٪ من الفلسطينيين العنف كإجابة لخطة ترامب.

الخروج من المأزق الفلسطينى لا يبدو ممكنا بتغيير علاقات القوى مرة أخرى باستعادة الوحدة واللحمة الفلسطينية ووحدة الصوت الفلسطينى إزاء العالم بحيث تجذب وتزيد تأثيرا صوت القوى الليبرالية والتقدمية فى العالم. فتجربة السنوات الماضية تقطع بأن حماس تريد إمارة خاصة بها حتى ولو كانت على حساب القضية الفلسطينية كلها. حل الدولة الواحدة يبدو ضاغطا على إسرائيل ولكن متطلباته الفلسطينية والعربية ليست فى متناول اليد على الأقل فى هذه المرحلة، والمرجح أنه يدفع إسرائيل فى اتجاه صدام جديد يؤدى إلى نكبة أو نكبات أخرى تدفع الشعب الفلسطينى إلى الخارج. اللجوء إلى الاتفاقيات السابقة من أول تفاهمات كلينتون إلى آليات اللجنة الرباعية تبدو كأنها تنتمى إلى أعوام وذكريات بعيدة مضت. أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تسير القضية كلها فى مساراتها الطبيعية فيكون الانفجار أو الانفجارات التى تضيف إلى كوارث المنطقة كوارث أخرى.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.