.
.
.
.

السعودية والدور الريادي في اليمن

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

مثيرة جدا هي أقدار اليمن، ذاك الذي كان سعيدا يوما ما، وها هو يصارع من أجل النجاة، والأكثر غرابة أنه فيما دولة شقيقة كبرى كالمملكة العربية السعودية تسعى في استنقاذه وترتب وتدبر لمؤتمر المانحين، نجد قسما من أبنائه غير البررة، يبعثون بطائراتهم المسيرة تجاه المملكة ونحو أشقاء مدنيين، في توجه للإرهابيين الحوثيين المدفوعين والمزخومين من الإيرانيين صباح مساء كل يوم.

دائما وأبدا نظرت المملكة إلى اليمن نظرة ملؤها الأخوة للأشقاء الكائنين هناك منذ الأزمنة الغابرة، ولم يكن تحالف دعم الشرعية إلا أحد دروب نصرة الظالم برده عن ظلمه، وصونا وحماية لأمن اليمن، ودفاعا عن مصالح الأمن القومي العربي والخليجي في المنطقة برمتها لا سيما من أطماع الصفوي الإيراني المتربص بالجميع منذ زمان وزمانين.

لم يكن مؤتمر المانحين هو أول مبادرة سعودية لدعم الأشقاء في اليمن الذين تقطعت بهم سبل الحياة الكريمة، لا سيما في ظل مشهدين:

المشهد الأول أممي غير مفهوم، بل ومتخاذل تجاه الحوثي ومؤامراته ، وإلى الحد الذي يمكن للمرء معه قبول فكرة التماهي مع مخططات إيران لهدف أو لآخر.

والمشهد الثاني السيطرة الإجرامية لعصابات الحوثي على كل المساعدات الإنسانية التي تصل إلى اليمنيين لا سيما من خلال المرافئ وفي مقدمتها ميناء الحديدة ، ومرة أخرى أمام ناظري مراقبي الأمم المتحدة.

يقر "مارك لوكوك" وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، منسق الإغاثة في حالات الطوارئ، بأن السعودية أكبر مانح لخطة الاستجابة لليمن، حيث قدمت في العام الماضي أكثر من 750 مليون دولار ، وتعهدت في أوائل إبريل بتقديم 500 مليون دولار لهذا العام.

وحتى يدرك القارئ العربي والدولي الأهمية الفائقة لمؤتمر المانحين الذي تأخذ المملكة بيده في طريقها لليمن الذي يحاول أن يتعافى، فإنه يتوجب عليه أن يعرف أنه اليوم ومن بين 41 برنامجا رئيسيا للأمم المتحدة في اليمن، سيتم إغلاق أكثر من 30 برنامجا في الأسابيع القليلة المقبلة إذا لم يتمكن من تأمين أموال إضافية.

حين يلتئم في الفضاء الافتراضي مؤتمرا للمانحين تحت منصة الأمم المتحدة ، وبرعاية ودعاية سعودية حقيقية لا براغماتية، فإن الرسالة الواضحة في هذا السياق تفيد بأن القيادة السعودية ممثلة في خادم الحرمين الملك سلمان، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عازمة كل العزم على انتشال اليمن من وهدته المزدوجة ، لا سيما وأن وباء كوفيد-19 استشرى هناك بشكل جعل من بعض مناطق اليمن مقابر للأحياء وليس للأموات مع كثير الأسى والأسف.

ولعل جزئية الجائحة الكورونية التي تلم بالبشرية تستدعي إشارة خاصة إلى جهود المملكة على الأراضي اليمنية، لا سيما بعد توقيع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لعدد من العقود لتوفير الاحتياجات الضرورية من الأجهزة والمستلزمات الطبية لمكافحة انتشار هذا الفيروس الشائه ، بين أولئك المعذبين في الأرض اليمنية.

يتساءل المرء كيف يمكن تعظيم أهمية هذا المؤتمر من الجانب الأدبي والأخلاقي ، عطفا على الدور المنوط به في توفير المواد الأولية للشعب اليمني قبل الكارثة الإنسانية البادية من جهة المجاعة وصولا إلى الموت المرضي من كورونا؟

الجواب باختصار غير مخل هو أن عقد المؤتمر في حد ذاته فعل إيجابي وخلاق للفت أنظار العالم مرة أخرى إلى المأساة الحادثة على أرض ذلك البلد العربي الشقيق، الشقيق في العروبة، وفي الإنسانية على حد سواء ، وعلى هذا الأساس فإنه يضع الإقليم والعالم أمام استحقاقات فعل يتجاوز العرق والجنس واللون أو الدين، ولهذا فهو وعن حق منعطف إنساني محوري في أزمة طالت، وتهدد بواحدة من أسوأ الكوارث البشرية في القرن الحادي والعشرين.

حتى الساعة ، وبإقرار وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور نجيب منصور، لم تتوان المملكة عن الإسهام الاقتصادي في تغطية فاتورة استيراد المواد الغذائية والأدوية من الخارج، إضافة إلى دعم اليمن بالمشتقات النفطية والكهرباء ، واستمرار المشروعات التنموية التي يقوم بها البرنامج السعودي للتنمية وإعادة الإعمار.

أفرز مؤتمر المانحين عدة حقائق في مقدمها التأكيد على الدور المحوري السعودي في الإقليم والعالم ، ذلك الساعي إلى ترسيخ مبادئ السلم والتآلف والتعاون بين شعوب ودول العالم، عطفا على تقديم الدعم والمساعدات بكل حيادية للاضطلاع بمسؤولياتها تجاه الأزمات الإنسانية.

ولعل مبادرة المملكة قد أكدت على حقيقة الذات العربية الفاعلة، بمعنى ضرورة العودة إلى سياق بلورة الأهداف الاستراتيجية العربية – العربية، من خلال عواصم العالم العربي، فطرح القضايا المصيرية يبدأ من الذات وليس من الآخرين، مع إتاحة الفرصة بكل تأكيد وتحديد للتعاون الدولي مع دول العالم المختلفة شرقا وغربا، والتي تتابع علاقات الأشقاء في المنطقة، وتأخذ الأمر في اعتباراتها وهي تمد أياديها إلى إسعاف المجروحين والمتألمين في اليمن .

أما المشهد الأهم، والذي يتوجب الانتباه له، هو تكلفة الخراب والدمار الذي تتسبب فيه السياسات الإيرانية الشقاقية والفراقية، والتي كانت المرد الرئيس لنسبة غالبة للغاية من أزمات الخليج العربي وبقية مناطق الشرق الأوسط، الأمر الذي يتوجب معه إنهاء حالة الميوعة الأميركية والأوروبية في العلاقة مع طهران، والغزل على الأوتار الماورائية بما لا يفيد أحد إقليميا وعالميا.

مؤتمر المانحين.. هو سردية الخير السعودي الأخوي الممتد من جديد إلى اليمن.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.