.
.
.
.

عافية الله أوسع

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

بدأت معركة «حنين» بداية سيئة لجيش النبى، حيث فوجئوا بهجوم مباغت من جيش هوازن، وكان يقوده مالك بن عوف، كان مالك فى الثلاثين من عمره، شابا متحمسا تولى قيادة قومه حديثا ويطمح فى انتصار حاسم وسريع.

وضع مالك خطة عسكرية غريبة، حيث فرض على مقاتليه أن يخرج كل منهم إلى ميدان القتال ومعه أسرته، الزوجات والجوارى والأطفال ومعهم كذلك ما لديهم من ثروات وأموال، وكانت ثرواتهم تتركز فى البعير، ويكون كل هذا فى المقدمة ومن خلفهم الفرسان، كانت وجهة نظره أن المقاتل فى وجود أهله سيجبن عن الفرار ويستبسل فى القتال، لكن هذه الخطة وجدت رفضا من شيخهم «دريد بن صمة» وكان جاوز المائة عام من عمره بكثير، قيل بلغ مائة وستين عاما، وفقد بصره، لكنه فى شبابه كان مقاتلا شرسا وقائدا فذا، أخذوه إلى ساحة القتال فسمع صراخ الأطفال ورغاء البعير وأصوات الماعز فاندهش، ولما سأل عن وجود هؤلاء أجابوه، فذهب إلى مالك وطالبه بتغيير تلك الخطة، قال له: ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعليا قومهم وعزهم، ثم ألق (الصبأ)على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وكان أهلك لا خوف عليهم، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك.

شرح مالك وجهة نظره، فرد عليه دريد أن المهزوم لا يعبأ بأحد لحظة هزيمته، رفض مالك النصيحة تمامًا.. «والله لا أفعل ولا أغير أمرا صنعته».. ثم قال «إنك قد كبرت وكبر علمك وحدث بعدك من هو أبصر منك». كان مالك حريصا على أن ينسب كل شىء إليه وأن يتجاهل علنًا رأى القائد السابق دريد.

قرر دريد إبراء ذمته أمام قومه محذرا إياهم قائلا لهم: هذا فاضحكم فى عورتكم، وممكن منكم عدوكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم فانصرفوا واتركوه.

كانت ملاحظات رجل خبر الحياة والقتال، سوف نلاحظ أنه استعمل (الصبأ) لوصف المسلمين، هكذا كانوا يرونهم، أناس صبئوا عن دين الآباء والأجداد.

هم القوم بالانصراف عن مالك فاستل سيفه مهددا أن يغرسه فى صدره إن تركوه، فوجدوا أنه لو فعلها لم يكن أمامهم قائد سوى دريد وهو هرم ضرير، ما عاد قادرا على القيادة.

كان وادى حنين منحدرا جدا، وما إن وصل جيش النبى، وقبل التهيؤ حتى باغتهم مالك بالهجوم، وفوجئوا بالمشهد فأخذوا بالفرار وارتبكوا خاصة أنه لم يكن لهم دراية عن طوبوغرافية الوادى، وبدا أن الهزيمة تحققت، غير أن النبى كان لديه إصرار على استيعاب وامتصاص الهجمة الأولى وتحمل خسائرها، ثم مواصلة القتال، وهكذا صمد وحوله عدد قليل من الفرسان، وطلب من عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادى فى المقاتلين: يا للأنصار، يا للخزرح، يا للأوس. وصل النداء واستعاد المقاتلون زمام المعركة.. فيما بعد حاول البعض أن ينسب الفرار إلى المكيين، ولم يكن ذلك صحيحا، لكنها الإحن المذهبية والسياسية، كما حاول البعض إثبات أن أبابكر وعمر كانا فى مقدمة الفارين، وكان ذلك كذبا، حيث كانا إلى جوار النبى.

وعلى طريقة قيادات الإخوان بادر مالك بن عوف إلى الهرب ولحق بحصن ثقيف كما توقع دريد، ومن هناك أرسل إلى النبى يطلب المصالحة.

فى لحظة الغضب من المفاجأة الأولى، اندفع المقاتلون من جيش النبى إلى قتال وقتل من لقيهم، ولم يكن سوى الأطفال والصبيان أو الذرارى، وبلغ النبى ذلك الأمر، ولم يقبل به ونادى:

(ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية، ألا لا تقتل الذرية)، وقالها ثلاثا: ألا لا تقتل الذرية.. هؤلاء أطفال، أولاد المشركين، وجدوا فى ميدان المعركة وفى لحظة القتال، وضعوا فى المقدمة، أى دروع بشرية بمصطلح عصرنا، ولم تكن هناك قوانين حديثة كالتى نعرفها الآن، ومع ذلك، استنكر النبى هذا السلوك، وأعطى أمرا قياديا بالامتناع عنه تماما.

الآن نرى أناسا، يزعمون أنهم يجاهدون فى سبيل الله، اعتبروا الشوارع ميادين قتال، يقتلون الأبرياء، أطفالا وأناسا، معظمهم أبناء مسلمين، وبقلب وضمير بارد يقولون (يبعث على نيته) وقد وجدوا من يفتى لهم بذلك، وذهبوا إلى بعض الكتب الصفراء يستخرجون منها ما يسوغ لهم ذلك، وعلينا أن نسمى الأفعال بمسمياتها، القاتل يظل قاتلا ومجرما، حتى لو حاول التخفى وراء مصطلحات مثل الجهاد وإقامة الخلافة، هم قتلة فقط.

ويبدو أن أجواء القتال وميادين المعارك، قد تغرى البعض بالقتل أو لا يجدون فيه غضاضة، ودور القيادة العظيمة أن تحد من ذلك وتتصدى له، بل إن دور القيادة تجنب القتال بالمرة، إلا إذا فرض عليه ذلك فرضا، النبى تجنب القتال عند فتح مكة، مع هوازن كان يدفع عدوانا، وتصدى للقتل غير المبرر، حين اختل جيش النبى فى البداية وفر المقاتلون، جاءت أم سليم وكانت مقاتلة تنادى النبى: أرأيت هؤلاء الذين أسلموك وفروا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم يا رسول الله، إذا أمكنك الله منهم فاقتلهم.

الدعوة هنا لقتل أناس فيهم من الصحابة ومن المهاجرين والانصار، لكنه يرفض ذلك قائلا لها: يا أم سليم قد كفى الله. عافية الله أوسع.

فتح باب القتل وسفك الدماء لا يجلب سوى المزيد من القتل، ولذا من يتابع التنظيمات الإرهابية، يجد أنهم يقومون فى حالات كثيرة بتصفية بعضهم البعض، أو يبلغ بعضهم الجهات الامنية عن البعض الاخر، عبدالرحمن السندى قائد التنظيم الخاص بالإخوان أرسل علبة جاتوه مفخخة إلى بيت خلفه فى قيادة التنظيم، البغدادى تعرض لعدة محاولات اغتيال من بعض «المجاهدين »معه، أسامة بن لادن سلمه أحد أتباعه إلى الولايات المتحدة التى كانت تطلب حياته. على أن من أهم ما جرى يوم حنين بين النبى وأسيد بن حضير، كان أسيد من الأنصار وكان من الأوس، ولما أمر النبى بمنع قتل الذرارى، قال له أسيد: يا رسول الله أليس هم أولاد المشركين؟.. وكان رد النبى حاضرا وقويا: (أو ليس خياركم أولاد المشركين؟)، ثم واصل صلى الله عليه وسلم القول: (كل نسمة تولد على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها).

المعنى واضح وهو أنه ليس مبررا للقتل أن يكون والد الطفل مشركا، لسبب مباشر وهو أن خيار المسلمين، أى أفضلهم وأتقاهم هم أبناء مشركين، ولماذا نذهب بعيدا، عكرمة بن أبى جهل، على كرم الله وجهه وأخوه جعفر، الشهيد الطيار، وأخوهما عقيل وأختهم هند أو أم هانئ، هم جميعا أبناء أبى طالب عم الرسول الذى سانده بحكم رابطة الدم لكنه رفض بإصرار أن يترك دين آبائه ويتحول إلى الإسلام.

إن الإنسان يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، اللسان ليس أداة النطق أو الثرثرة، لكنه يترجم عن عقل ويعبر عن اختيار صاحبه، باختصار مسألة الإيمان والشرك، واختيار الدين الذى يعتقد به، أمر خاص بالإنسان، لا يقتل بسببه، والاختيار تتدخل فيه عوامل الأسرة والمجتمع والثقافة العامة، وكان النبى يدرك ذلك جيدا، حين قال لأسيد (فأبواه يهودانه أو ينصرانه).. اضطهد النبى أكثر من عشر سنوات بسبب اختياره وقراره الابتعاد عما وجد عليه مجتمعه، وتعرض لعدة محاولات اغتيال لا لشىء إلا أنه لم يقتنع باللات والعزى وآمن بالله الواحد الأحد، ولذا لم يكن ممكنا أن يقبل أو يسمح باضطهاد لأحد بسبب دينه، لم يفعلها يوما ولم يسمح بها، فمن يفعلها اليوم لا يجب أن ينسب فعلته إليه.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة