قبضة الثورة والعصا السحرية

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

ماذا استفدنا من هذه الثورة؟ ماذا تغيّر بانتفاضتكم سوى الإتيان بحرب هنا وفوضى هناك؟ هؤلاء "زعران"، وهؤلاء "قطاع طرق" وآخرون "موظفو سفارات". أنظروا إلى سوريا، معّنوا النظر بالعراق، شاهدوا ليبيا.. وإلى أين أوصلتم لبنان؟ هي انتقادات تبدأ ولا تنتهي من أبناء الشعب الواحد بين من قرر رفع صوت ومن قرر كتمه. لكن، عندما يثور الشعب مطالباً بالحرية وبلقمة العيش يكسر حاجز صمته وصمت المنتقدين. الكلّ في مركب واحد مع فارق بسيط: الأول قرر الانتفاض والآخر يعلم صوابية المطالب لكنه يمسك العصا من الوسط، يمانع الحاضر لكنه يخاف من تبعات الثورة في المستقبل القريب. أمّا الهتافات فتمثّلهما، لكنّ أصابع الاتهام جاهزة صوب الثائر إن لم يمتلك مفتاح التغيير بـ"عصاه السحرية".

هكذا كان الوضع في سوريا بالنسبة لمعظم الموالين للنظام. هم أيضاً لم يكونوا أحرارا بل كانوا "يتوقون" للحرية بدورهم، إلا أنهم اختاروا الصمت حفاظاً على STATUS QUO الذي يبقيهم بمنأى عن المتغيرات وموجاتها العاتية خوفاً من الدخول في المجهول. فيما المجهول ذاك ـ والذي يشير للمستقبل ـ يبدأ بالتلاشي تماما كالخوف منه عندما يُهدد حاضر الإنسان بلقمة عيشه، فيصبح الثائر الصامت ثائراً صارخاً كما يحصل في مناطق سيطرة النظام في سوريا مؤخراً. من يراقب دورة التاريخ كان ليعلم أنّ هذا المشهد مقبل لا محالة مهما تأخر. فالثورة السورية التي انطلقت في مارس 2011 وانقسم بشأنها السوريون لم تكن سوى حبّة من مسبحة فرطت أخيرا مهما تأخرت. الثورة فكرة أو مجموعة أفكار لا تموت حتى لو أساء إليها الثائرون أنفسهم. قد تنحسر التحركات وتُكتم الأصوات ويكثر الاستغلاليون لكنّ أفكار الثورة تبقى حيّة قد تخمد لكنها لا تنطفئ.

أمعن النظام السوري على مدار 9 سنوات بتحويل صرخة أطفال في درعا إلى ساحة حرب بين السوريين قبل أن يصبح المشغلون أجانب. ومن "حذر" من مؤامرة يومها فتح مساحات البلاد للقوى التي اتهمها بالتآمر وجعل من عيش السوريين لقمة سائغة للآخرين وحوّل المطالبين بـ"الحرية" إلى مساجين في كنف دولة يحكمها الإيراني والروسي ونظام فضّل تدمير سوريا على حساب تحرير شعبها.

لا محالة إذن إلا وأن ينتفض السوريون مع اختلافاتهم السياسية ضد نظام أتى على معارضيه أولا، ودفع موالوه الثمن لاحقاً. وهو بالطبع مسار تاريخ الثورات التي لا تحدث التغيير بين ليلة وأخرى، ومهما تأخرت (9 سنوات) إلا أنّ صوابية الأفكار لا تسقط بالتقادم.

لم يسجل التاريخ لأي ثورة حول العالم ـ مهما تبدّى وهن الحكام وبانَ ضعفهم وتلاشت قواهم ـ تحقيقها بضربة واحدة قاضية بل مرت بمراحل وتقلب حقبات وتنوع شعارات وتبدّلها قبل تحقيق ما تصبو إليه. وينطبق ذلك حتى على الانقلاب العسكري الناجح ـ رغم امتلاكه القوة والسلاح ـ الذي لا يقوى على تثبيت حكمه وتحقيق غاياته بين ليلة وضحاها.

الثورة الفرنسية التي ساهمت في الإسراع بتطبيق المبادئ الديمقراطية حول العالم، دامت عشر سنوات (1789 – 1799)، ومرت بثلاث مراحل رئيسية وباضطرابات اجتماعية وسياسية، قبل أن تستبدل الملكية بالجمهورية والتي لم ينته الجدل حولها إلا أواسط القرن التاسع عشر.

الثورة الروسية التي ترعرعت عام 1905 أثناء الحرب اليابانية - الروسية وارتفع التأييد لها خلال الحرب العالمية الأولى، لم تنجح حتى أكتوبر 1917 بإسقاط حكم القياصرة وتصبح "كل السلطة للسوفيات" الذين أنشأوا عام 1924 الاتحاد السوفياتي.

وفي مصر، نجحت حركة الضباط الأحرار بقيادة محمد نجيب في العام 1952 بإزاحة الملك فاروق عن العرش بانقلاب عسكري، لكنها عادت وأبعدت محمد نجيب وخالد محيي الدين بعدها، وأصدرت الدستور المصري في العام 1956 ليتولى جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية يومها. وفي العام نفسه، أقدمت على رفع شعار جلاء القوات البريطانية جلاء تاما بالرغم من عصف هذا الشعار في ضمير المصريين منذ حريق القاهرة الذي طال 750 مبنى دفعة واحدة. وفي العام المذكور أُممت قناة السويس والمصارف ووسائل المواصلات.

غيض من فيض حول الثورات ومسارها والوقت الذي تحتاجه لتحقيق أهدافها إضافة لمتغيرات تطرأ في سبيله، فتراها تحيد حينا عن طريقها وتصيب أحيانا أو العكس. ففي لبنان، وفيما يجتمع اللبنانيون من كل الأطراف حول صوابية المطالب يختلفون حول آلية تحقيقها. يصدرون "براءات ذمة" لهذا ويتهمون ذاك ويسارعون في مساءلة ثورة شعبية لا تزال في مهدها ولا يتعدى عمرها الـ7 أشهر. يستعجلونها لحرق المراحل والقفز فوقها وإغراقها بما لا تقوى عليه.

وإلى جانب "السوسة" الداخلية التي تنخر الثورة اللبنانية بقصد أو بغير قصد، هناك من يلعب على التناقضات لإجهاضها. وبالتالي تتحمل قوى منضوية تحت لواء التحركات الشعبية مسؤولية كبرى في تمرير مشاريع ضرب الثورة والقضاء عليها. تلك القوى تجهد لشرذمة التحركات رافضة التنسيق ومعترضة على قيادة موحدة وعلى برنامج واحد وعلى رفع شعارات الحد الأدنى ما دام هناك عجز عن الاتفاق على الحد الاقصى. تراها تشجب التحركات المركزية وتنظم تحركاتها المستقلة لمنع الكتلة العريضة من الشعب اللبناني للمشاركة الواسعة في التحركات المؤثرة على السلطة ومن يقف وراءها. فلا ترتدع هذه القوى عن المجاهرة بشخصانيتها ولا تكف عن توجيه سهامها لأطراف في الثورة بدلا من أن تتصدى للطبقة الحاكمة برمتها تنفيذا لشعار " كلن يعني كلن ".

ما وصلت اليه الثورة في لبنان من تأثير على بنية النظام لم يعد يحتمل المكابرة والتلهي وتغليب التناقض الثانوي على التناقض الأساسي مع الطبقة السياسية الحاكمة، ونظامها الذي أوصل لبنان الى قعر الهاوية.

يبدو أنّ الثورة لا تعي مدى تأثيرها على كامل بنية النظام الطائفي في لبنان. بمجرد أن ترفع شعار محاربة الفساد المجمع حول أهميته وحول دوره في توحيد المجموعات المنضوية تحت لواء 17 تشرين، تكون قد طالت مجموع الطبقة الحاكمة بقوة المال أو السلاح أو الإثنين معاً، تكون قد طالت من يمارس فائض القوة وامتد الشعار ليشمل من تمادى في حماية الفساد والفاسدين وشجع التهريب ومنع تسديد الضرائب وحدَّ من جباية الرسوم وتطاول على المال العام.

أثبتت تجربة تحركات السبت في 6 يونيو وما سبقها من تحركات أنها تضعضع الشعار الموحد ضد الفساد وتفتح ثغرة تستغلها الطبقة السياسية والمتضررين من إسقاطها، فلا عجب عندها أن ترى "فتنة متنقلة" تضرب أساس الثورة وتحوّرها عن مسارها، وتؤخّرها في الوصول إلى مبتغاها، وذلك بقصد من بعض الثائرين أو بدون قصدهم. ها هو حزب الله قد استغل ما يخرجه من أزمة علاقته الباردة ببيئته، والمتدهورة مع أهالي الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب بسبب عدم قدرة الحزب على الانخراط في آلية وطنية إصلاحية تخرج أبناء الشيعة الكرام ككلّ اللبنانيين من أتون الأزمة الاقتصادية الخانقة والعاصفة بكل المكونات اللبنانية من دون استثناء. وفيما يزداد سوء علاقة الحزب مع جمهوره كلما اشتدت وتفاقمت الأزمة الاقتصادية ها هو ينجح بامتصاص الغضب في بيئته بتغليب نظرية "الاستهداف الشخصي والمؤامرة" عليه على حساب صوابية المطالب العابرة للطائفية. سـَعـَّرَ حزب الله شعار نزع سلاحه ليعيد استقطاب جمهوره وتأطيره بوجه الثورة، مظهرا أنّ التحركات الشعبية مصوّبة ضد الطائفة الشيعية الكريمة فيما يتناسى كثيرون أنّ ثوار النبطية وصور من "المقاومين الأوائل" في زمن الحرب وفي زمن بناء الدولة.

هذا وأدى رفع بعض الشعارات غير الواقعية في الظرف الحالي وسط الظروف الإقليمية والدولية خدمة جلية لحزب الله ليخرج من إحراجه في بيئته. كما استفاد حزب الله من بعض القوى الطائفية ومشاركتها في الشارع لتحسين شروط عودتها الى نعيم السلطة ومكاسبها، ليظهر أن الثورة ليست بعيدة عن الصراع المذهبي وهي شكل من أشكال الصراع بين قوى 14 اذار وقوى 8 اذار.

أمّا الهدف الآخر من "الفتنة المتنقلة" يشير لاتجاه صوب التملص من حكومة حسان دياب الضعيفة والعاجزة عن تلبية أهدافه وحمايته، واستبدالها بحكومة جديدة برئاسة الحريري بحجة حماية الوفاق الوطني والسلم الاهلي. وعلّ ذلك يبرّر تحالف قوى السلطة إثر اتفاق مع نبيه بري ووليد جنبلاط وسعد الحريري، فالتقى جنبلاط نبيه بري يوم الاحد ونقل المقترحات الى سعد الحريري ليلا .

على الثورة عدم المكابرة لأنها تقرر مصير شعب وعليها التشديد على شعار محاربة الفساد الجامع لكل القوى، والمحرج للخصوم وللطبقة الحاكمة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.