.
.
.
.

قطر ترشق الآخرين بالحجارة وبيتها من زجاج

أحمد الفاضل

نشر في: آخر تحديث:

فشلت قطر مجدداً. ذهبت إلى منظمة التجارة العالمية، وعادت بصك براءة للمملكة من تهمة "القرصنة"، رغم بذلها جهوداً كبيرة عبر فريق من القانونيين، ومليارات، لتحقيق هذه الغاية لكنها سجّلت لنفسها فشلاً ذريعاً جديداً موقعاً من محفل دولي.

فالخبر الذي جعجعت به وسائل إعلام قطر يتعلق بصدور حكم ابتدائي في 16 يونيو 2020 عن هيئة تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية حول القضية الرقم "DS567" التي تدّعي بها قطر أن "المملكة العربية السعودية فشلت في توفير حماية كافية لحقوق الملكية الفكرية التي تحتفظ بها أو تتقدم بها كيانات مقرها في قطر، واتهامها بقرصنة البث المباشر". وجاء في خلاصة قرار الهيئة أن "التدابير التي اتخذتها المملكة غير متسقة مع 8 مواد من اتفاقية TRIPS" (الاتفاقية حول الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية).

هذا جل ما حصلت عليه قطر واحتفت به قبل أن يعتمد خلال مدة تصل إلى 60 يوماً، وهو قرار ابتدائي قابل للاستئناف، وهذه المرحلة أيضاً لها مسارها ومخاضها. لكن لمن لم يكن على علم بالقضية، نضع بين يديه هذه الوقائع التاريخية ليعرف من كان يقف إلى جانب العربي البسيط وأراد له أن يستمر في الاستمتاع بمشاهدة مباريات كرة القدم، ومن أراد أن يحرمه حتى من هذه الدقائق التي تسعده بدلاً من أخبار المنطقة الغارقة بالهموم والأحزان.

ففي العام 2003، ومن العاصمة القطرية الدوحة، أعلنت "شبكة الجزيرة" عن إطلاق قنواتها الرياضية، التي استمرت تحت هذا الاسم 11 عاماً، قبل أن تتحول إلى شبكة"beIN" ، وذلك بعدما عجز "اتحاد الإذاعات العربية" وهو الذي كان معنياً بنقلها، عن المنافسة بسبب ارتفاع الأسعار، واستطاعت شبكة ART شراء حقوق البث لبطولتي 2002 و2006، لتنتهي بعدها ثلاثة عقود من المتابعة المجانية، ويجد المشاهد العربي نفسه مضطراً للدفع حتى يتمكن من المشاهدة، وهو ما لم يكن في استطاعة الكل.

سعت "شبكة الجزيرة" منذ انطلاقها للمنافسة بقوة على بث البطولات الكبرى، وبدأت ببث بطولة الدوري الإسباني حصرياً منذ الموسم 2003/2004. وحاولت القناة شراء حقوق بث مونديال 2006، ولكنها فشلت بسبب امتلاك الحقوق من قِبل شبكة ART. وفي العام 2009 حصلت قناة الجزيرة الرياضية على حقوق بث مونديالي 2010 و2014، حيث بلغ إجمالي مبيعات حقوق بث مباريات مونديال 2010 في جنوب إفريقيا حوالي ثلاثة مليارات دولار، بينما بلغت حقوق البث مونديال البرازيل 2014 ما يقارب أربعة مليارات.

وفي عام 2015 أتمت القناة - بمسماها الجديد- صفقة الحصول على حقوق بث بطولات كأس العالم من 2018 وحتى 2030، وهو ما أثار علامات استفهام كثيرة حول الصفقة، ليعلن مكتب المدعي العام السويسري في تشرين الأول (أكتوبر) 2017 أنّ هناك شبهة فساد في الصفقة، وأن السويسري جيروم فالكه، السكرتير السابق لفيفا، والمدير التنفيذي لشبكة "beIN" ناصر الخليفي، هما محور قضية فساد ورشوة وتزوير، دون أن ننسى ملف قطر السيئ السمعة مع FIFA لسنوات طويلة يبدأ من الاتحاد الآسيوي ولا ينتهي باستضافة كأس العالم.

وقال نص الادعاء: "يشتبه في أن جيروم فالكه قَبِل امتيازات لم يكن يستحقها من رجل أعمال في قطاع حقوق البث الرياضي، لمنح الحقوق لمونديالات أعوام 2018 و2022 و2026 و2030 لدول بعينها"، وهو ما سارع الخليفي إلى نفيه. وكان فيفا بادر إلى إقالة فالكه من منصبه في كانون الثاني (يناير) 2016، مع إيقافه 12 عاماً عن جميع الأنشطة الكروية، على خلفية قضايا أخرى.

أدت هذه الاتهامات مع طول مدة استحواذ القناة على حقوق البث إلى تصاعد الأصوات العربية المعارضة لاحتكارها بث المونديال طوال هذه المدة، خاصّة أنها تحتكر البث لـ 22 دولة مع التشفير، حيث تطالب العديد من الجهات الإعلامية والرياضية بأن تكون المزايدة علنية، بينما طالب البعض أن تكون حقوق البث منفصلة لكل دولة، كما هو متبع عالمياً، معتبرين أنّه حين تم التعامل مع المنطقة العربية كإقليم واحد، كان ذلك بطلب من جهة تابعة لجامعة الدول العربية حينها، وبرضا من جميع الدول الأعضاء، خصوصاً أن اتحاد الإذاعات كان يوفر المباريات مجاناً عبر القنوات الأرضية.

بدأت الدعوات العربية المعارضة للاحتكار تتصاعد مع تأييد محكمة العدل الأوروبية في العام 2013، دول الاتحاد الأوروبي في إصرارها على بث مباريات مونديال 2014، في مقابل رفض جوزيف بلاتر - رئيس فيفا آنذاك - وإصراره على بثّها عبر القنوات المشفرة والتي تدفع مبالغ طائلة للاتحاد، وهكذا قامت دول عدة ببث مباريات كأس العالم 2014 على قنوات محلية بينما لم تستطع الدول العربية.

ومع انعدام المنافسة بلغت كلفة الاشتراك في باقة مونديال 2018 (مدة شهر) من دون شراء الجهاز 130 دولاراً في دول الخليج، و90 دولاراً لباقي الدول العربية، في حين وصلت قيمة الاشتراك السنوي 300 دولار، وهو مبلغ قد يبدو في المتناول إلا أنه يعتبر للملايين تكلفة لا يمكنهم تحملها.

ارتفاع الكلفة دفع البعض للبحث عن بدائل أخرى، فلجأ الغالبية إلى محاولة التقاط إشارة أقمار اصطناعية تبث عبر قنواتها المباريات مجاناً بتعليق غير عربي، بينما بحث البعض عن روابط البث المباشر على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، فيما اشترى آخرون أجهزة استقبال خاصة تكون متصلة بالإنترنت ولا تتجاوز كلفتها 15 دولاراً مع عدم وجود حاجة لتجديدها. وكان الحل الأكثر بساطة لجوء البعض إلى مشاهدة المباريات المهمة في المقاهي، أو عبر الشاشات التي وفرتها بعض البلديات في الشوارع والأماكن العامة.

وبينما يعاني المشاهدون العرب من دفع مبالغ طائلة لمصلحة شبكة تلفزيونية واحدة حصرية، تشاهد الجماهير البريطانية مباريات كأس العالم وكأس أمم أوروبا على القنوات الأرضية مجاناً بحسب اللائحة الوطنية الرياضية في البلاد.

وهنا النقطة الفاصلة، ألا وهي أن مسألة الاحتكار تضر من الناحية الاقتصادية بمصالح العديد من الجهات والمستثمرين، كما أنها تنافي الشفافية والعدالة ومبدأ المنافسة الشريفة التي يجب أن تتحقق في المعاملات التجارية، وهي مسألة كان مسكوتاً عنهاً تقديراً للروابط!

وللقضاء على هذا الاحتكار يجب الضغط باستمرار على الاتحادات المحلية بضرورة المطالبة بإنهاء انتهاكات «beIN» العلنية لحقوق الإنسان، وحرمان أكثر من 90% من الشعوب العربية من مشاهدة مباريات كرة القدم، خصوصاً أن استمرار هذه القناة على نهج تسييس الرياضة سيؤكد تضامن هذه الاتحادات وفسادها في الصمت عن تلك المخالفات، وهو ما يتطلب استخدام ذراع القضاء الدولي، فكما أنصفت محكمة العدل الأوروبية في فك احتكار البطولات الأوروبية عن 8 دول فإن من حق الدول العربية أن تسير بنفس النهج ومشاهدة فرقها في البطولات الدولية.

ورغم أن قطر ترشق الناس بالحجارة وبيتها من زجاج ولها ملف يحمل ألف سؤال وسؤال عن فوزرها باستضافة مونديال 2022، فإنها ذهبت لتقاضي السعودية أمام منظمة التجارة العالمية التي مهمتها في الأساس تكمن في ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية لـ 164 دولة، وجوهر عملها هو إدارة الاتفاقيات الدولية وفض المنازعات ومراجعة السياسات القومية المتعلقة بالتجارة، ويكمن وصفها بأنها منتدى للمفاوضات متعددة الأطراف وقراراتها من حيث المبدأ مُلزمة، ولكن لايمكن لها فرض عقوبات على الدول المُخالفة، والدليل أن هناك دولاً تخالف مبادئها. فقانون القوة هناك أحياناً أكبر من قوة القانون. وإذا ما خالفت إحدى الدول فمن واجب المنظمة إبلاغها أن تصحح خطأها. أو المطالبة بالتعويض وجبر الأضرار.

أمام هيئة المنازعات في المنظمة، زعمت قطر أن المملكة العربية السعودية فشلت في توفير حماية كافية لحقوق الملكية الفكرية التي تحتفظ بها أو تتقدم بها كيانات مقرها في قطر، واتهامها بقرصنة البث المباشر.

وردت المملكة على هذه الادعاءات بالمادة 73 من الاتفاقية والتي تنص في الفقرة (ب): لا يوجد بموجب الاتفاقية ما يمنع أي دولة عضو من اتخاذ أي إجراءات ترى أنها ضرورية لحماية مصالحها الأمنية الأساسية، وإذا اتخذت في أوقات الحرب أو الطوارئ الأخرى في العلاقات الدولية.

وارفقت الكثير من الدلائل والتي من بينها أن المدعية قطر قامت بانتهاكات للاتفاقيات الإقليمية والالتزامات بالتخلي عن دعم العنف والاضطرابات في المنطقة، والالتزامات التي أقرت بها قطر بعد سحب السفراء، وقامت بالتوقيع حينها على اتفاق الرياض في 2013 ثم الاتفاق المكمل في 2014 قبل أن تعود وتلتف عليه، ثم ترفض بعد المقاطعة الأخيرة التوقيع على نفس الشروط المرتبطة بشكل رئيسي حول الكف عن دعم الإرهاب، والتدخل في شؤون الدول العربية وزعزعة استقرارها.

ومثلما ذكرنا، فإن القرار مهم إذ اعتبر المملكة كدولة عضو ملزمة بموجب اتفاقية تربس ولم تقم بما يجب تجاه مكافحة القرصنة، داخل أراضيها من دون أن يتهمها اتهاما مباشرا بالقرصنة، مستنداً إلى بعض الظواهر كتغريدات المشاهير، ولازال الحكم ابتدائياً ويمكن للسعودية الاستئناف في هذا الخصوص.

وبالعودة إلى وثيقة تأسيس منظمة التجارة العالمية وأهدافها ونشاطاتها سنجد أن الهدف الأول إقامة عالم اقتصادي يسوده الرخاء والسلام، والثاني نشوء عالم اقتصادي مزدهر ومسؤول بصورة أكبر والثالث توفير الحماية المناسبة للسوق الدولي ليلائم مختلف مستويات المعيشة والتنمية، وهذا كله لا ينطبق على ما تنتهجه قطر في ملف beIN وغيرها، وإذا ما تذكرنا الرسائل السياسية المبطنة في قنواتها، والإجراءات المريبة حين كان يُطلب من الراغب في الاشتراك صورة من هويته الوطنية دون وجه حق، وهذا بحد ذاته اختراق للأمن والمجتمع.

ما نستخلصه أن النظام القطري دأب على محاولة صرف الأنظار عما تفعله قطر في المنطقة برفع الدعاوى والقضايا للمنظمات العالمية ومن ضمنها منظمة التجارة العالمية. ويريد أن يجني بعض المكاسب من هذا الضجيج، الضجيج الذي قد يصم آذانه وحده دون غيره. أو كما قال المثل "دبور وزن على خراب عشه".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.