.
.
.
.

مجتمعات الأمل

رجاء عالم

نشر في: آخر تحديث:

تتضاءل سطوة السيد كورونا، وتنحسر الأضواء عنه في وسائل الإعلام بمقابل الآثار الاقتصادية التي أحدثها، والكوارث البيئة التي تنتظر العالم بحسب رأي الخبراء في هذين الحقلين الاقتصاد والبيئة.
ودعونا نساير الرأي المتجه للكوارث، فإن القراءات القاتمة لمستقبل الأرض تكاد تكون حقيقة مسلم بها لجماعات كثيرة بأرجاء العالم، إذ ومن بين العديد من التجارب هناك ما لا يقل عن الـ 26 جماعة متوزعة بالدول المختلفة، تنتظم تحت مسمى "جماعات الأمل"، وتحيا في قرى بيئية إيكولوجية "Ecovillages"، والتي يعرضها في ثلاثين دقيقة مدهشة الفيلم الوثائقي "مجتمعات الأمل"، والهادف لنشر بذور تلك التجمعات، وقد قامت كل جماعة باستقلالية كاملة, واحدتها عن الأخرى كما في "تاميرا Tamera" بالبرتغال، و"بذور الشمس Sunseed" في أسبانيا، و"Solheimar" في آيسلند وغيرها، والتي بدأت بالفعل بملكية أراضٍ وتكوين تجمعات سكنية وزراعية في سبيل النهوض باحتياجاتها الاستهلاكية المقننة بوعي يحترم مقدرات الطبيعة، ولا يستنزفها ويعتمد المبادئ الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية للزراعة أو التنمية المستدامة "permaculture"، والتي يشارك فيها الأفراد كلٌّ حسب ميوله واستعداده الشخصي ومواهبه، ونجد تلك الجماعات في دول كالسويد وبريطانيا والدنمارك وفرنسا والبرتغال وآيسلند والولايات المتحدة، وكندا وروسيا وأسبانيا التي ترعى أكثر من جماعة. والجدير بالذكر أن مجتمعات الأمل ما هي إلا المثال المصغر للوعي الذي أخذ يتشكل في السنوات الأخيرة لدى البشر، وعي يعمل بصمت ويشكل الخلايا الحاملة على عاتقها إنقاذ الأرض وحماية البشرية من الانقراض، وعي يعمل كمغناطيس يستقطب التنويريين البيئويين الذين يخوضون التجارب الشجاعة للوصول لنماذج حياتية في تكوينات بشرية فريدة مستقلة تواصل البحث بدأب عن الوسائل التي تمكنها والبشرية عموماً من الصمود بوجه الانقراض الوشيك. تجارب جماعية أو فردية تقول: إن هناك تيار حياة يواكب التيار المألوف والمستسلم لمبدأ النماء الاقتصادي والاستهلاك لما لا نهاية، تيار جديد واعٍ ماضٍ للتأسيس للصمود في حالة فناء المألوف والنظريات الاقتصادية والإنتاجية التي ترسخت منذ قيام الثورة الصناعية بالعالم، واتجاهها نحو الإنتاج والاستهلاك بلا حدود.
ترقب مشاهد هذا الفيلم الوثائقي، تنصت لأفراد تلك الجماعات الذين يرحبون بالمشاكل بصفتها محفزات للنماء الروحي والعاطفي، تنصت لرائحة الأمل في تلك الأصوات وتتساءل بشيء من يأس: ما الذي ستحدثه تلك الجماعة، أي تأثير لها خصوصاً في هذه الفترة من تاريخ البشرية حين تصيب الأزمة الاقتصادية الحالكة العالم بالسعار لتعويض المكاسب، ويجيء الدفع لتسريع الإنتاج من جديد، وحين تنصت للعجلات ترجع تدور مع رفع إجراءات الحجر الصحي، ترسل السيارات أبواقها وعوادمها في الهواء، توقظك محركات الطائرات تمخر السماء فوق الرؤوس، تبدأ العوادم تجمع صفوفها في سحب تتكثف في آفاق كوكب الأرض، وتتسارع عجلات الدمار.
ينفش اليأس ريشه بصدرك وتتساءل: هل من أمل؟

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.