.
.
.
.

كوفيد-19 ووباء الأمراض المزمنة

أكمل عبد الحكيم

نشر في: آخر تحديث:

يوماً بعد يوم، تقترب وفيات فيروس كوفيد-19، وبخطى متسارعة، من نصف المليون وفاة، مع ارتباط جزء كبير من هذه الوفيات ارتباطاً وثيقاً بالحالة الصحية للمصابين، وخصوصاً مَن يعانون من أحد أنواع الأمراض المزمنة غير المعدية. ففي الوقت الذي لم تتخط فيه نسبة وفيات كورونا 1% بين مَن لا يعانون من أمراض مزمنة، نجد أن هذه النسبة ترتفع إلى 10.5% بين المصابين بأمراض القلب والشرايين، أي واحد من كل عشرة، وتصل إلى 7.3% بين المصابين بداء السكري، و6.3% بين المصابين بأمراض الرئة المزمنة، و6% بين المصابين بارتفاع ضغط الدم، و5.6% بين المصابين بالسرطان.

ولذا، يمكن الربط بين مئات الآلاف من تلك الوفيات، وبين الحالة الصحية العامة للجنس البشري، والذي يعاني أفراده، منذ سنوات وعقود، من وباء صامت من الأمراض المزمنة. فقبل زمن كورونا، كانت 70% من الوفيات السنوية بين أفراد الجنس البشري، أي ما يعادل 41 مليون شخص، تقع بسبب الإصابة بأحد أنواع الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب، والأمراض السرطانية، والسكري، والأمراض التنفسية، واضطرابات الصحة العقلية.

وبخلاف عشرات الملايين من الوفيات السنوية تلك، أصبحت الأمراض المزمنة التي ارتبطت في الأذهان لفترة طويلة بالمجتمعات الغنية، تشكل عبئاً مرضياً يتزايد ثِقله بمرور الوقت على كاهل شعوب الدول النامية والفقيرة. فالملاحظ خلال العقود الماضية أن الأمراض المزمنة قد بدلت ديارها المعهودة، بديار جديدة يفتقر سكانُها للمصادر المالية والنظم الصحية الكفيلة بدرء خطرها والحد من تبعاتها. ويرد جزء كبير من هذا الارتحال المرضي إلى عوامل عدة أصبحت قادرة على تشكيل الظروف الصحية في جميع بقاع العالم، ومكنت الأمراض المزمنة من احتلال مراكز متقدمة على قائمة أسباب الوفيات.

وبناء على هذه الخلفية، يمكن القول بأن جزءاً لا يُستهان به من وفيات كورونا حتى الآن، وربما مئات الآلاف منها، لم تكن لتقع لو كان أفراد الجنس البشري في حالة صحية أفضل، ولو كانت معدلات الأمراض المزمنة بينهم أقل مما هي عليه الآن. ولذا لا بد أن تهدف جهود مكافحة فيروس كورونا، وخفض الوفيات الناتجة عنه، إلى إدارة أفضل للأمراض المزمنة، من خلال جعل خدمات الرعاية الصحية للعلاج والوقاية من الأمراض المزمنة، مكوناً رئيسياً وأساسياً في نظم الرعاية الصحية، بشكل يشمل جميع أفراد المجتمع دون استثناء. مع ضرورة الاستثمار في جهود التحكم والوقاية من الأمراض المزمنة، كمتطلب أساسي للارتقاء برأس المال البشري، ودعم النمو الاقتصادي، ولتجنب جزء كبير من الوفيات لاحقاً خلال أوبئة الأمراض المعدية.

*نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.