.
.
.
.

لبنان.. مأدبة الحوار والثلاجات الفارغة

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

كل حوار بين اللبنانيين مطلوب دوماً ومرحب به لتقريب وجهات النظر أو على الأقل لسماع الرأي الآخر من قبل الشركاء في هذا البلد. إنما الجلوس حول طاولة لإملاء فريق استراتيجيته على الآخرين وإلزامهم بقراراته الخاصة سيما منها المتعلقة بالسياسة الدفاعية وقراري الحرب والسلم لهو مضيعة للوقت ولا يتعدّى بالشكل سوى صورة تذكارية وبالمضمون مسرحية هزلية.

منذ لقاءات لوزان وجنيف اختبر اللبنانيون هذا النوع من الطاولات ولا يزال. في عام 2006 وعد أمين عام حزب الله المتحاورين بصيف هادئ يجلب المهاجرين والسياح والمصطافين، فكانت نتيجة "الوعد الصادق " حرب تموز (يوليو) المدمرة التي حوّلت لبنان إلى كتلة نار اجتاحت مناطقه فأهلكت البشر وحطمت الحجر، ليطالعنا تبرير زعيم حزب الله حسن نصرالله بـ"لو كنت أعلم لما أقدمت". وبعد هذه الحرب بعامٍ احتلّ حزب الله وحليفه التيار العوني وسط بيروت بين عامي 2007 و2008 لأسباب سياسية مرتبطة بتشكيلة حكومية أرادها الحزب مفصّلة على مقاسه فشلّ العاصمة اقتصادياً وانتهت في أيار (مايو) 2008 بأحداث دموية مسلحة قادتها ميليشياته وعُرفت بـ "قمصانه السود".

إبان ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان ـ إثر اندلاع الحرب الأهلية في سوريا ـ أجمع الحوار اللبناني (الذي عُرف بـ"إعلان بعبدا") على سياسة "النأي بالنفس" وعدم زج لبنان في صراعات الآخرين، ومنع استعمال حزب الله لسلاحه داخل لبنان أو خارجه. وبين ليلة وأخرى استفاق اللبنانيون على حزب الله يخوض معاركه في المدن السورية ضارباً عرض الحائط مؤتمر بعبدا والورقة المتفق عليها وصولا لتصريح رئيس كتلته النيابية "اغلوا هذه الورقة واشربوا زومها".

من المنطقي التساؤل إذن حول نجاعة "لقاء بعبدا" الأخير بعد سلسلة حوارات وإخفاقات، كيف لا وأنّ الحوارات التي كانت مبنيّة على اتفاقات وتفاهمات لم يلتزم بها الطرف الأقوى بسلاحه، فكيف اليوم وهذا اللقاء لم يأتِ بجدول أعمال هادف ومنتج وقابل للتنفيذ أصلاً. لو كان المُراد من اللقاء الأخير جدياً لبدأ بمساءلة حزب الله عن توتيره لخطوط التماس التقليدية الموروثة عن الحرب الأهلية، وعن غزواته على ساحات الحراك الشعبي وحرق خيمه والتعدي على أفراده، وعن تأجيجه للطروحات المذهبية، وإطلاقه وحركة "أمل" النار فوق رؤوس المدنيين في أحياء بيروت.

وصولا لمعرفة نوايا حزب الله المضمرة إثر نشره لفيديوهات عن مواقع عسكرية إسرائيلية والتهديدات التي أطلقها نصرالله "سنقتلكم سنقتلكم سنقتلكم" والتي أنتجت باكورة رد عليها بغارات وهمية فوق الجنوب والبقاع وجبل لبنان والعاصمة بيروت. لو لم تُطرح كل تلك الأسئلة لتحول اجتماع بعبدا كالاجتماعات السابقة إلى ملهاة للتغطية على ما يضمره حزب الله من توتير أمني بهدف خدمة مصالح إيران الإقليمية.

أتت جولة الحوار هذه فارغة من كل ما ذكرناه آنفاً، وسط مفارقة أساسية مع الجولات السابقة على مدار عقود وهي تُترجم بصرخة سيّدة ستينيّة العمر في شوارع بيروت: "لم نجع في الحرب كما جُعنا في زمن السلم المفترض". تترافق "مأدبة الحوار" هذه مع شعب لبناني وجد شقاء عمره بين ليلة وأخرى يضيع منه في فرق عملة تدهورت أكثر من 80% من قيمتها وانعكست على سيّدة ورجل عاملين انتظرا كلّ حياتهما ليتقاعدا ويؤمنا آخر أيامهما في دولة لا تؤمّن شيخوختهما ولا مستقبل أولادهما بعد أن سرقت الأحداث ماضٍ وأسرت الحاضر وقضت على المستقبل المنظور. تأتي "مأدبة الحوار" هذه وسط صرخات تعلو في شوارع لبنان وعلى وسائل التواصل تدعو لإسقاط المنظومة الحاكمة، وتترافق مع مآسي أبٍ لا يمتلك سعر علبة حليب لابنه ولعائلة تنام بدون عشاء وثلاجات فارغة من الطعام وثّقتها وكالة الأنباء الفرنسية في مجموعة صورٍ.

وسط هذا الانهيار الاجتماعي والاقتصادي والإنساني، يأتيك تصريح نصرالله عشية الحوار المزمع داعياً لمواجهة قانون قيصر وتداعياته على لبنان حول "ضرورة الانخراط بجبهة تصدي كتفا على كتف مع النظام السوري" لمقاومة العقوبات الأميركية. وتبريرا لهذه الدعوة "المشبوهة" يسرد مطلقيها الأمثلة عن بلدان واجهت العقوبات وصمدت بوجهها "من دون ان تُضطر لتقديم تنازلات"، كفنزويلا و كوبا وكوريا الشمالية وإيران. وإزاء هذه الأمثلة العامة المسطحة والبعيدة عن التعمق بأوضاع كل بلد على حدة، يمكن الجزم الأكيد بأن ما يجمع بينها هو الفقر المدقع والعوز ومعاناة شعوبها من صلف قياداتها وديكتاتوريتها وأنظمتها التوليتارية الشمولية، وفقدان الغذاء والحرمان من الأدوية والمستشفيات والمحروقات والمعاناة اليومية لتأمين الحد الأدنى من ضروريات الحياة.

وكأنّ هذه الدعوة إلى "جبهة الصمود والتصدي" المشتركة مع كل من سوريا وإيران لم تأتِ بالموازاة مع مشاهد الثلاجات الفارغة والأطفال بدون حليب والعوائل بدون عشاء، لتعدهم بالجوع والفقر والعوز في بلد لم تقدم له إيران فلسا واحدا مقابل مساعدات عربية وغربية بلغت عشرات المليارات من الدولارات. أما الدعوة الأكثر شططا فنادت بضرورة اتجاه لبنان نحو الشرق، تحديدا نحو إيران والصين من دون روسيا. وإن كانت إيران تسعى وراء من يشتري سلعها في ظل العقوبات ووقع الحصار، لدعم تدفقات العملات الصعبة إلى اقتصادها، فإن الصين تسعى لأهداف سياسية ككل الدول الكبرى عملاً بمبدأ مصالحها واستراتيجيتها. وهي الصين نفسها التي تستثمر في إسرائيل بحفر الأنفاق الجبلية في الأراضي المحتلة وببناء أحواض المرافئ وبمدّ سكك الحديد من أجل غايات سياسية كان بومبيو في زيارته الأخيرة إلى تل أبيب قد نبه من عواقبها.

أمام هذه الدعوات الفارغة من المحتوى العميق، والبعيدة عن الخيارات الصائبة، فإن لبنان يخنق أنفاسه اليوم بحبل تشدّه إيران حول عنقه أمّا التنفس برئتيه فعربية وغربية وإلا يكون قد اختار الانتحار.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.