.
.
.
.

مصر ومفتاح الحياة الجديد

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

يمكن القطع بأن مصر تمر هذه الأيام بمفترق طريق، وكأن شهر يونيو يحمل لها تحد جديد، ذلك أنه وقبل سبع سنوات من هذا التاريخ كان قدرها أن تقطع الطريق على الجماعات الظلامية التي حاولت اختطاف الكنانة، نفسا وجسما، غير أن "كيميت" التي انتفضت شعبا وجيشا، استطاعت استنقاذ شعبها ولا يغالي المرء إن قال إن ما جرى في تلك الفترة عينها كان استنقاذا للمنطقة برمتها من مصير رهيب يدور في أطر من الراديكالية البغيضة، ويحاول العودة بالزمن إلى الوراء، الأمر الذي كاد أن يسبب كارثة شرق أوسطية لولا أن الله سلم.

في هذا السياق يبقى من المدهش أن يقارب القارئ بين مصر التي كانت قد قاربت على الانكسار في ذلك الوقت، وبين مصر التي تقف شامخة تطال النجوم اليوم، في اعتداد شريف بالنفس، لا يطاله الغرور، ولا يسعى للتهديد بل للردع ولفت الانتباه إلى أن أرض الإله حاضرة ويقظة، وأنها قادرة على الذود عن أرضها وسمائها، بحرها وبرها، ونيلها في المقدمة من هذا كله.

منذ تصريحات الرئيس السيسي في المنطقة الغربية قبل نحو عشرة أيام والسياقات الدولية والإقليمية تتسارع، فقد كان الحديث صريحا غير مريح لأعداء الدولة ولأبنائها، .. نحن جيش رشيد ..يصون ولا يهدد ..يعمر ولا يبدد..

ربما للمرة الأولى في تاريخها القديم والحديث تجد مصر نفسها مهددة من محاورها الاستراتيجية الأربعة، فمن الغرب هناك قصة الإرهاب الأردوغاني الذي طرد وعصابته من الباب، ويحاول القفز من جديد من الشباك.

ومن الجنوب هناك من يمضي وراء رؤية "بن جوريون"، ونظريته عن "شد الأطراف"، وبهذا فإن أردت أن تزعج مصر، يمكنك أن تفعل ذلك من خلال نهر النيل، شريان حياتها.

وفي الشمال الشرقي، يبقى عدو أزلي دوجمائي مهددا، ويستخدم أدوات أصولية لا تغيب عن ناظر أحد في شبه جزيرة سيناء لإرهاق الجيش المصري، وتحريف اهتماماته من الدفاع عن المحاور الاستراتيجية، إلى متابعة الإرهاب في الصحراء .

حين انتفض المصريون على الظلاميين في 30 يونيو 2013، كانت أوضاع مصر الاقتصادية بائسة، بل كادت أن ترتهن الدولة لأشباه الدول، أولئك الذين فتحوا أبوابهم ومحطاتهم المتلفزة لاحقا لكل المارقين والهاربين، واليوم ورغم كافة التحديات التي واجهت وجابهت المحروسة تتوقع المؤسسات المالية الدولية وفي المقدمة منها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن تكون مصر من بين الدول القلائل حول العالم التي ستحقق معدل نمو يجابي رغم جائحة كورونا.

ما الذي جرى خلال السنوات السبع المنصرمة وجعل المارد المصري يقف على قدمين من نحاس مرة جديدة، بعد أن تهشمتا قدما الفخار في تلك السنة المشؤومة.

باختصار غير مخل، حدث استنهاض لروح مصر في داخلها، وعرف نسيجها الاجتماعي أنه في مقابل تشاؤم العقل يبقى تفاؤل الإرادة، والأخيرة مكنتها من إعادة البناء والعمران والنمو، وعلى غير المصدق أن ينظر إلى مشروعات التنمية القائمة في وسط صحاري مصر بناء وزراعة وصناعة.

هل من يصدق أن مصر تورد لأوروبا ولغالبية دول منطقة الشرق الأوسط جل ما يلزم من فواكه وخضراوات في وسط أزمة كورونا القاتلة؟

أما المفاجأة الكبرى وهي ليست بمفاجأة للعالمين ببواطن الأمور، فموصولة بجيش مصر الذي بلغ المرتبة التاسعة بين جيوش العالم، ليس بما يملكه من أحدث الأسلحة حول العالم فحسب، بل من خلال رجالات يؤمنون بعقيدة قتالية عسكرية عنوانها الشرف والأمانة في مواجهة مخططات الغدر والخيانة.

حين تحدث الرئيس السيسي في قاعدة سيدي براني، لم يطل الرجل، وإنما في كلمات قليلة بلغت رسالته العالم برمته، وتساءل المتسائلون: "هل الحراك السريع الذي جرت به المقادير الأيام القليلة المنصرمة هو رجع صدى لما فاه به القائد الذي نادى عليه المصريون ذات يوم بأعلى أصواتهم .."يا أبو دبوه ونسر وكاب ..خلصنا من الإرهاب".

لا ينفك الإرهاب والذين يدعمونه ويزخمونه فكريا وماديا يحاولون وضع أكثر من عصا في دواليب الدولة المصرية، وما أردوغان وآبي أحمد وخلافهم سوى أدوات يستخدمها غير الظاهرين على سطح الأحداث، أولئك الذين لا يريدون لمصر أن تصحو ولا أن تطفو، ذلك لأنها لو فعلت لتغير الكثير في المعادلة الدولية، وهذا هو السيناريو الذي جرى مع المصريين منذ نهضة محمد علي، مرورا بثورة أحمد عرابي، ثم سعد زغلول، وجمال عبد الناصر حتى عبد الفتاح السياسي.

تقف مصر في مفترق طريق رافعة رأسها مستندة إلى جيشها الوطني، وقيادتها السياسية ، ويدعمها ويزخمها في الطريق أخوة وأشقاء عرب لم يألو جهدا في إظهار هذا الدعم الأبي، فقد سارعت المملكة العربية السعودية الشقيقة والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، إلى الوقوف صفا بجانب مصر وهي تقابل الإرهاب الأردوغاني المسكوت عنه أمريكيا وأوروبيا حتى هذه الساعة.

مفترق الطريق ولو بعيد جغرافيا لكنه هناك في إثيوبيا حيث النيل روح مصر وهبتها، والذي تتهدده المطامع في الحال والاستقبال، وهذا ملف يحتاج إلى كثير من الجهود العربية والإفريقية المساندة للوصول به إلى بر الأمان.

تعرف مصر كيف تحافظ على حقوقها وحقوق أبنائها في مياه النهر الخالد، وفي قدرتها تسعى إلى أنفع وأرفع الطرق للوصول إلى حلول سلمية، تكفل للجميع الحياة والتعاون والنماء المشترك.

مفترق الطرق الذي تقف مصر على قارعته هذه الأيام يأتي وسط أزمة وباء عالمي، ومع ذلك لا تتأثر المحروسة بل في رؤيتها تبدو الأوراق مرتبة والأدوار متسقة، والعجيب جدا أن مصر التي يشاغبها الجميع من محاورها الاستراتيجية الأربعة يجد جيشها متسعا من الوقت، ووفرة من الإمكانيات لافتتاح مستشفى ميداني بسعة أربعة آلاف سرير لمتابعة مصابي كرورنا.

في أكتوبر 1973 عبر المصريون خط بارليف الحصين، وفي يونيو 2013 قفز المصريون فوق سد الأخونة الواهي، واليوم يبقى النسيج المجتمعي المصري المتماسك والمترابط هو مفتاح الحياة الجديدة لمصر المحروسة، ما يمكنها من عبور مفترق الطرق بأمن وأمان ...حفظ الله الكنانة في المبتدأ والخبر.. أمس واليوم ... وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.