.
.
.
.

وباء داخل جائحة

لؤي شبانه

نشر في: آخر تحديث:

بعد فترة وجيزة من إعلان منظمة الصحة العالمية كوفيد-19 وباء عالميا ازدادت بشدة معاناة النساء والفتيات السوريات، نسمع يوميا قصصا حزينة تعبر عن معاناة رغم محاولات كبتها وإسكاتها، من تلك القصص ما روته غدير، وهي امرأة من حمص، للعاملين في المجال الإنساني عن العنف الذي شهدته على خلفية عمليات الإغلاق التي جاءت استجابة للوباء.

"قابلت العديد من النساء اللواتي يواجهن أيضًا العنف على أيدي أزواجهن، وقد ازداد العنف بشكل واضح. أخبرتني صديقة أنها تعاني باستمرار من العنف في المنزل بعد فقدان زوجها لعمله". وشهدت غدير ذات مرة تعرض أم للضرب أمام أطفالها.

تعبر هذه القصص وغيرها الكثير عن الواقع المأساوي الذي تعيشه النساء والفتيات في سوريا كما في غيرها من البلدان العربية عن معاناة شعوب عربية من وباء داخل جائحة، وباء العنف داخل جائحة كورونا. فكروا مليا في الأرقام، فهناك 5.9 مليون امرأة وفتاة من بين الـ 11.7 مليون شخص بحاجة للمساعدات في سوريا، وهن معرضات لمجموعة من المخاطر المتزايدة التي تشمل قيودًا أكبر على حركة النساء والفتيات، والعنف الأسري، والزواج القسري والمبكر، والعنف القائم على النوع الاجتماعي. أضف لذلك وجود 5.7 مليون سوري لاجئين في جميع أنحاء المنطقة وخارجها، أليست هذه جائحة أخرى أو وباء آخر؟

إن الوضع في سوريا لا يزال بعيداً عن الاستقرار، لا سيما في ضوء النزاعات المستمرة والنزوح الجماعي في المنطقة الشمالية وكذلك زيادة عدم الاستقرار في أجزاء من الجنوب. وفي الوقت نفسه، فإن النتائج الاجتماعية والاقتصادية لـ كوفيد-19 ستنتج حتمًا تحديات أخرى لجزء كبير من السوريين.

ينعقد نهاية الشهر مؤتمر بروكسل الرابع حول دعم مستقبل سوريا والمنطقة وهي فرصة لإطلاع العالم على ما آلت إليه الاحتياجات مع التقلبات التي نجمت عن وباء فيروس كورونا المستجد والتحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجه السوريين سواء داخل سوريا أو في المجتمعات المضيفة على مستوى المنطقة. علاوة على ذلك، خلقت الآثار التراكمية لعشر سنوات من عدم الاستقرار عددًا من التحديات الهيكلية بعيدة المدى، بما في ذلك الاضطرابات في شبكات المجتمع وشبكات الأمان التي تعقد عملية تقديم الخدمات المنقذة للحياة. ويتفاقم هذا الوضع بسبب الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور بسرعة، وزيادة انعدام الأمن الغذائي والفقر في جميع أنحاء البلاد. إن المخاطر أو عدم تحديد أولويات صحة المرأة وحمايتها في سياق معين هي مخاطر حقيقية للغاية ويجب معالجتها بشكل مباشر.

ويؤمن صندوق الأمم المتحدة للسكان - وكالة الأمم المتحدة للصحة الجنسية والإنجابية - إيمانا راسخًا بعالم يكون فيه كل حمل مرغوبا فيه وكل ولادة آمنة ويحقق فيه كل شاب وشابة إمكاناتهم. ولهذا نكرر الدعوة إلى الحق الأساسي لكل امرأة وفتاة في الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية عالية الجودة والحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي بما في ذلك الزواج القسري والزواج المبكر.

تشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف مليون امرأة داخل سوريا ومن اللاجئات في جميع أنحاء المنطقة حوامل. لهذا يجب على المجتمع الدولي أن يولي أهمية قصوى لتزويدهن بالأدوية والمعدات ودعم القابلات والأطباء والعمل الجماعي لدعم إعادة التأهيل الأساسي لمرافق الرعاية الصحية في المجتمعات المدمرة. إن الفشل في القيام بذلك يعني أن المزيد من الأمهات ومواليدهن سيمتن خاصة مع انتشار جائحة كوفيد-19.

في عام 2019، قدم صندوق الأمم المتحدة للسكان خدمات الصحة الجنسية والإنجابية المنقذة للحياة لما يقرب من 2.4 مليون شخص داخل وخارج سوريا ويتطلب الحفاظ على هذا العمل المنقذ للحياة بل وتوسيعه، استمرار التعاون من المجتمع الدولي، بما في ذلك من خلال الحفاظ على التمويل المرن متعدد السنوات وزيادته للسماح للجهات الفاعلة بالاستجابة بفعالية للتحديات متعددة الأوجه على أرض الواقع. وفي الوقت ذاته، سيتطلب التصدي للعنف القائم على النوع الاجتماعي في عام 2020 أخذ التحديات الناجمة عن كوفيد-19 بعين الاعتبار وضمان أن تأخذ أي استجابة لمواجهة الوباء احتياجات النساء والفتيات والمخاطر التي يمكن أن يتعرضن لها بعين الاعتبار. يجب أن تكون هذه البرامج متاحة بشكل أكبر للفتيات المراهقات اللاتي مازلن أكثر الفئات تعرضًا لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والحمل المبكر الذي يهدد الحياة.

لقد قام صندوق الأمم المتحدة للسكان بتحديث استجابته الإقليمية لسوريا لعام 2020 لتشمل الأموال المطلوبة للاستجابة لكوفيد-19، مع نداء إجمالي يقدر بـ 137 مليون دولار أميركي. وهذا يشمل 6.5 مليون دولار أميركي موجهة نحو الاستجابة للوباء وتداعياته على النساء والفتيات والشباب في جميع أنحاء المنطقة.

إن ضمان مراعاة قضايا المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة باستمرار عند تصميم برامج القدرة على الصمود أمر بالغ الأهمية، لاسيما تلك التي تحاول درء أسوأ الآثار المترتبة على كل من الأزمة نفسها ووباء كوفيد-19. هذه البرامج ليست فعالة فقط في تقديم دعم قصير المدى للمحتاجين، ولكنها أيضًا قادرة على معالجة العديد من التحديات الهيكلية طويلة المدى والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية لهذه الأزمة.

أخيراً رغم أن الأزمة في سوريا ذات طابع سياسي بالدرجة الأساس إلا أننا ندعو لعدم تسييس المساعدات الإنسانية ولا البرنامج التنموية التي تهدف إلى حماية البشر وتمكينهم لا سيما النساء والفتيات، إننا نسعى لعدم ضياع المستقبل الذي ضاع حاضره وماضيه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.