.
.
.
.

رقة الطباع ونوازع الجاهلية

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

أحيانًا كثيرة يظل أحدنا متمسكًا بموروث من عادة أو رأي فيظن أن تغيير ذلك طعن في دينه، وتبديل لعقيدته، وليس ذلك إلا لجمود في طبعه عن مرونة تقبل الأحكام، وليس ذلك فيما يخص الأحكام الفقهية فحسب، بل حتى في كثير مما نفعله قد ينفخ فيه الشيطان استكثارًا لمال، أو اغتراراً بأتباع، أو اعتزازاً بعشيرة..

مما لا يجهله أحد ذلك الإرث الثقيل من الأخلاق والعادات التي وجدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العرب قبل بعثته، ومن الطبيعي أن يكون إصلاح هذا الخلل الكبير في الطباع جزءًا رئيسًا في دعوته، وقد يطول المقام إن أردنا استيعاب وسرد تلك الأخلاق والقساوات التي عرف بها الجاهليون، ولكن يكفي أحدنا أن يتلو {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت} ليرسم في مخيلته الصورة السوداوية التي كان يشكلها أهل الجاهلية لتعبر عن قساوة القلوب، فلم يكن الأمر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إزالة أصنام وهدم أوثان فقط بل كان هناك شقّ آخر في الدعوة وهو لا يقل عناءً في التغيير، ولأجل ذلك تأخرت كثيرًا آيات الأحكام التي تفصل في كثير من الأخلاقيات السيئة، وليس ذلك تهوينًا من شأنها بل كان ذلك لإعطاء الطباع الفترة الكافية للتأقلم مع روحانية الإسلام ورقة أخلاقه، وهذا هو أسمى معاني التربية أن تفسح الوقت لمن ألف طبعًا سيئًا ليخرج من عوائد النفس، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم حريصًا على تبغيض طباع الجاهلية إلى نفوس أصحابه، وفي كل حين تحصل فيه حادثة أو موقف يوقظ كوامن الجاهلية كان صلى الله عليه وسلم يبادر لإماتته والتنفير عنه، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فاجتمع قوم ذا، وقوم ذا، وقال هؤلاء: يا للمهاجرين وقال هؤلاء: يا للأنصار فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "دعوها، فإنها منتنة" ثم قال: "ألا ما بال دعوى أهل الجاهلية ألا ما بال دعوى أهل الجاهلية" ولا شك أن ذلك كان في المدينة وكان بينهم وبين الجاهلية سنين، ولكن لحظ النبي صلى الله عليه وسلم بقاياها في الطباع فأراد استئصالها وإحلال خلق الإسلام محلها.

فالإسلام دين راقٍ يمنع من العصبية للذات والنسب، ويحث على مناصرة الحق دون النظر إلى فاعله وقائله، ومن ذلك حين قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: "لولا أن قومك حديث عهد، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين". الحديث. ليبين لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الإسلام كلما بعد من عهد الجاهلية وترقى أهله في أحكامه أكسبهم طباعًا تنصاع للأحكام وللتغيرات دون النظر لما كان عليه عوائد الناس من مخالفات للشريعة، فأحيانًا كثيرة يظل أحدنا متمسكًا بموروث من عادة أو رأي فيظن أن تغيير ذلك طعن في دينه، وتبديل لعقيدته، وليس ذلك إلا لجمود في طبعه عن مرونة تقبل الأحكام، وليس ذلك فيما يخص الأحكام الفقهية فحسب، بل حتى في كثير مما نفعله قد ينفخ فيه الشيطان استكثارًا لمال، أو اغتراراً بأتباع، أو اعتزازاً بعشيرة، فيأخذنا ذلك عمدًا أو سهوًا إلى اجترار طباع الجاهليين وإن بعدنا عنهم زمنًا، وفي الصحيح عن المعرور بن سويد، قال: لقيت أبا ذر بالربذة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية» بينما كان أبو ذر مؤمناً من المؤمنين، ولكن بين له النبي صلى الله عليه وآله أن ما تلفظ به شيءٌ اعتاده من طباع الجاهلية فنهاه عنه ليكون ذلك النهي لأبي ذر رضي الله عنه ولكل الأمة، ومن الطبيعي أيضًا أن تترقى طباع المسلمين وتبعد أكثر وأكثر عن عوائد الجاهلية كلما ترسخت الأحكام وتمرنت النفوس عليها وفرّقت بين نوازع الجاهلية وتعاليم الإسلام. هذا، والله من وراء القصد.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.