.
.
.
.

طيب.. خلوهم جملين!

عباس الطرابيلى

نشر في: آخر تحديث:

هذه الواقعة لا تخص شارعاً بعينه.. بل تبرز الحاكم المستنير، المتفتح، الذى يستشرف المستقبل، أو كما يقول العالم «راجل بعيد النظر». إيه الحكاية؟؟

اشتكى التجار الأجانب من عدم وجود شارع أو طريق يوصل بين الجامع الأزهر.. ومنطقة العتبة الحالية، أو منطقة الأزبكية المستجدة.. ومحمد على- على عكس ما يعتقده البعض- كان يستشير الناس وذوى الرأى، ولذلك أنشأ مجلس المشورة!! إذ جمع عدداً من العلماء والمشايخ وكبار التجار. ليسألهم وقد قرر شق طريق جديد يوصل بين هاتين المنطقتين.. وسألهم وهم مجتمعون معه فى قصر الجوهرة، فى القلعة، كيف يكون عرض الشارع المطلوب؟.. وتبارى الكل واتفقوا على أن يكون عرض هذا الشارع يجب أن يسمح بمرور حمارين محملين بالتبن.. وكان ذلك أوسع ما تصوروه.. وبعد أن أجمعوا على هذا الرأى تكلم محمد على باشا.. وكان لا يتكلم إلا بعد أن ينتهى كلام كل المجتمعين. قال محمد على: «طيب.. خلوهم جملين محملين بالتبن».. «يبركان» خلف خلاف، يعنى واحد رايح والتانى جاى.. متصوراً أن يكون ذلك هو العرض الأمثل للشارع.. ثم يقيسون الجملين بحملهما ليصبح ذلك هو عرض الشارع المطلوب.

وأراد محمد على أن يضرب بذلك مثلاً لما يجب أن يكون عليه أى شارع ينشأ فى المستقبل. أى نعمل حساباً للتوسع فى هذا المستقبل.. وقرر محمد على أن يكون ذلك هو أساس تخطيط أى شىء.. أى يراعى المستقبل. والتوسعات.. وطبق محمد على نظرته هذه فجاء هذا الشارع يتسع لمرور جملين محملين بالتبن.. واحد ذاهب والثانى عائد بكل حمولة التبن المنطلقة، هذا الشارع هو شارع الموسكى الحالى، أو الشارع الجديد، أو السكة الجديدة كما كان اسمه عند الإنشاء.. وهو شارع منعت فيه المحافظة سير السيارات بسبب ضيقه وعدم اتساعه، وتخيلوا ماذا كان الوضع لو استجاب محمد على لما رآه المشايخ ولجان الفتوى والرأى وجعلوه يتسع لمرور حمارين.. ولم يقرر محمد على أن يشقه لكى يتسع لمرور جملين.

■ ■ ومناسبة مقال اليوم ما نراه من اتساع الشوارع والطرق الجديدة، بل والكبارى أيضاً، سواء داخل المدن.. أو بين المدن الكبرى بعضها البعض، من أربع وست حارات فى كل اتجاه، وما نراه بالذات فى شوارع العاصمة الإدارية الجديدة من اتساع.. وجزر وسطى، وأيضاً وتحسباً للمستقبل من وجود «حرم» لهذه الطرق، حتى يمكننا استخدامها فى المستقبل ولا تتحول الشوارع إلى اختناقات فنضطر إلى إنشاء شوارع علوية فوق كل شارع، كما نرى الآن فى حى مصر الجديدة.

وهذا هو الفرق بين العقول المتفتحة، التى تنظر للمستقبل وتلك المنغلقة التى لا ترى إلا ما تحت أقدامها فقط.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.