.
.
.
.

الحج الاستثنائي

عمر حبتور الدرعي

نشر في: آخر تحديث:

ابتهاجاً وسروراً بعيد الأضحى المبارك أقول: كل عام وبلادنا الحبيبة دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتنا الرشيدة، وأهلنا وأصحابنا والمسلمون والإنسانية جمعاء في خير وسعادة، وجعل الله أيامنا رافلة بالسعادات، ووارفة بالقيم والخيرات... ولما يحمله عيد الأضحى في طياته كل عام من ذكريات الحج، وتوافد الحجاج على المشاعر المقدسة، (آمِّينَ البيت الحرام يبتغون فضلًا من ربهم ورضونا) ناسب أن نتأمل في النجاح المبهر الذي تكللت به جهود المملكة العربية السعودية في تنظيم موسم الحج في هذا العام، فمنذ اجتياح «جائحة كورونا» العالم، ظهر جلياً أنها تستهدف التجمعات البشرية، ولا شك أن من أعظم الشعائر الجماعية في الإسلام هي شعيرة الحج التي يجتمع فيها المسلمون من كل فج عميق على صعيد واحد، وفي زمن ضيق ومنطقة محدودة، فكان التساؤل حاصلًا عن كيفية الحج وفق تلك المعطيات والمستجدات.
إن الاستطاعة مناط التكليف كما قرر ذلك ديننا الحنيف، فدينك بقدر استطاعتك، وهذا من محاسن تعاليم الإسلام، إذ لا يوجد فيه شيء من التكاليف فوق طاقة الإنسان وقدرته، فكل الأوامر والنواهي المعتبر فيها هو القدرة على الفعل والوسعُ والطاقةُ والبعدُ عن المشاق.
ومن الأبواب التي يتجلى فيها هذا الأصل «باب الحج» الذي ورد فيه نص صريح على ربطه بالاستطاعة في كتاب الله تعالى في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فجعل الفقهاء الاستطاعة شرطاً في وجوب الحج، وهذا الشرط وحْدَهُ كاف في عدم إعنات الناس وتحميلهم المشاق، وإقحام أنفسهم في المهالك والصعاب، فمن لم يتحقق له شرط الاستطاعة فلا يجب عليه الحج، ومن هنا قعَّد العلماء قاعدة أصيلة في باب الحج وهي: أن الحج مبناه على الاستطاعة والتوسعة والتخفيف.
وفي هذا العصر مع توفر المواصلات والاتصالات أصبح شرطُ الاستطاعة سهلَ التحقق بالمقارنة مع قرون قد خلت، كان فيها قرار الحج صعباً وعسيراً جداً، وفي تلك المرحلة أُطلقت القولة الشهيرة: «الذاهب للحج مفقود والعائد منه مولود» لفقدان الأمان في الطرقات.
إن من موانع الحج المقررة عند العلماء المرض، وها هو الوباء قد أحاط بالعالم في هذه السنة، وخنق الآفاق بخطورته، وأشد ما يكون انتشاراً في أماكن التجمعات الكبيرة، ففيها يصطاد ضحاياه، ويوقع بفريسته، والأعداد التي تجتمع في موسم الحج تفوق الإحصاء والعد، ويكفي أن مثل هذا الجمع لا مثيل له في العالم، وجميع دول العالم مُمثَّلة فيه، فلو سُمح بإقامة موسم الحج هذه السنة -كحالته المعهودة مع انتشار المرض-، فيعني ذلك فتح المجال لهذا الوباء لإعادة انتشاره مرة أخرى أشرس في كل دول العالم، ولهذا فإن قرارات المملكة العربية السعودية في هذا الشأن وهي المسؤولة عن الحرمين الشريفين ومشاعر الحج قرارات حكيمة، تصون أرواح الناس وتراعي مقاصد الدين، وقد نوهت دولة الإمارات بهذا القرار، وأشاد به مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، واعتبره قراراً حكيماً يعود لمصلحة المسلمين لما قد يواجهونه من خطر تفشي المرض بينهم في ظل استمرار هذه الجائحة، ودعا المسلمين للالتزام به.
إنها ليست المرة الأولى التي تَحُولُ فيها الأوبئة والعوامل الأخرى عن إقامة الحج الموسع، ففي كتب التواريخ سرد لتلك السنوات التي اقتصر فيها الحج على أهل الحجاز، ونجد مثل هذه العبارات مكررة في كتب الحوليات: (وفي سنة ثلاثين وأربعمائة تَعَطَّل الحج من الأقاليم بأسرها، فلم يحج أحد من مصر ولا من الشام ولا من العراق ولا من خراسان) و(لم يحج أحد من سائر الجهات، سوى حجاج الحجاز).
والفقه الإسلامي لم يكن ليخاطر بأرواح الناس في سبيل أداء هذه الفريضة، ولهذا فسر الفقهاء الاستطاعة بجملة من الشروط، أهمها الأمن على النفس والمال، فقالوا: «الاستطاعة هي إمكان الوصول بلا مشقة عظيمة مع الأمن على النفس والمال»، وقد أفتى ابن رشد لأهل بلده وعصره بسقوط الحج عنهم لعدم تحقق شرط الأمان على النفوس، وجعلوا الحد المطلوب من الحاكم المسؤول على الحرمين والمشاعر إقامة موسم الحج بحضور جماعة من الناس في كل سنة، وبذلك يحصل تعظيم البيت الحرام، وإقامة الشعائر.
إن كل ما تقدم من التأصيل الشرعي والتاريخي والنظرة الواقعية تُحتِّم علينا أن نُبارك مثل هذه القرارات، ونَشكر الساهرين على أمن الحجاج، وندعو لهم، ونُوقن أن من يُشكك فيها لا يريد الخير للمسلمين بقدر ما يبتغي نشر الفتن واستغلال هذه الأوضاع الاستثنائية للتوظيفات الأيديولوجية المحدودة، فالمقطوع به أن البلد الأمين موطن أمن واستقرار وعبادة، وقد وُصف في القرآن في عدة آيات بهذا الوصف، وأمر الله بتأمين من دخله (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، وفتح الحج لكل قادم من شتى أنحاء العالم في هذه الأوضاع لا يحقق الأمان ولا يساعد عليه، ولكن الأمر الساري الذي لا ينقطع هو تعظيم بيت الله تعالى ومحبته في القلوب، فذلك من صفات المتقين وعباد الله الصالحين، {ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب}.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة