.
.
.
.

الهند والعرب.. تفاعل ثقافي

د. ذِكْرُ الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

تشهد المصادر التاريخية القديمة على أن لدى الهنود والعرب روابط ضاربة في القدم تعود إلى حقبة ما قبل التاريخ، منذ نشأة العلاقات بين حضارتي بلاد الرافدين ووادي السند. هذه العلاقات تتمتع بجذور عميقة على اعتبار أن كليهما له روابط ثقافية وتجارية قوية يعود تاريخها إلى عصور طويلة. والشاهد أن أحد أقدم طرق التجارة البحرية في تاريخ البشرية يمتد من دلمون في شبه الجزيرة العربية إلى حضارة وادي السند.
وهناك تاريخ طويل من التفاعلات الفكرية والثقافية التي تركت بصمة لا تمحى على الثقافتين الهندية والعربية. وقد برزت تلك الروابط أكثر خلال القرون الوسطى عندما تفاعل فن وهندسة وأدب الجانبين لنقل التراث الثقافي إلى مستويات أعلى. ففي العصور الوسطى، كان هناك اهتمام كبير من قبل العرب بالخبرة الهندية في مجالات الطب والرياضيات والفلك واستفاد العرب من كتابات مفكرين ورحال زاروا الهند من أمثال البيروني وبن بطوطة والمسعودي.
وبالمثل، تأثرت الهند كثيراً بالثقافات والخطابات الفكرية العربية. فقد دوّن عدد كبير من الرحال الهنود الذين زاروا شبه الجزيرة العربية، وخاصة حجاج بيت الله الحرام وزوار بلدان أخرى مثل العراق وسوريا، مشاهداتهم حول العرب وتقاليدهم وعاداتهم وإرثهم الثقافي وأنظمتهم الإدارية، إلخ. ولكن كل هذه الكنوز، للأسف، ما زالت غير متاحة للأكاديميين والمؤرخين والمثقفين العرب وغير العرب لأنها كُتبت بعدد من اللغات الهندية المحلية. وقلة حركات الترجمة في الهند تُبقي عليها تحت طبقة سميكة من الغبار.
الأكاديميون والمثقفون العرب استمروا في القدوم وساهموا بشكل كبير في تعميق الروابط الثقافية بين الأمتين. ففي أواخر القرن التاسع عشر، جاء محيي الدين أبو الكلام، المولود في مكة، إلى الهند واستقر في كالكوتا. وأطلق جريدتي «الهلال» و«البلاغ»، ثم انضم إلى غاندي ونهرو، وبرز كركن من أركان حركة الاستقلال الهندية. وبعد الاستقلال، أصبح أول وزير للتعليم في الهند المستقلة، ويتذكره الناس باعتباره الشخص الذي وضع أسس أنظمة التعليم الحديثة في الهند.
ومن بين الأسماء العربية البارزة الأخرى التي ساهمت مساهمة فعلية في تعزيز الروابط الثقافية الهندية-العربية هناك عبد العزيز الثعالبي من تونس، وبديع حقي من سوريا، ووديع البستاني من لبنان، وثروت عكاشة من مصر. ولكن الكثيرين لا يعرفون عربياً آخر تميز كثيراً في عصرنا الحديث وساهم في توطيد الروابط بين الجانبين بقوة. إنه إبراهيم القاضي.
كان والد إبراهيم القاضي من عنيزة في السعودية ورجل أعمال ثرياً استقر به المقام في مدينة بونا بالقرب من مومباي وكانت والدته من الكويت. ولد في 1925، وتعلم على أيدي خيرة المعلمين في اللغات العربية والانجليزية والفرنسية. اهتمامه الكبير بالفن والثقافة والمسرح منذ نعومة أظفاره أخذه إلى لندن في سن مبكرة حيث درس في «الأكاديمية الملكية للفنون الدرامية».
ولدى عودته إلى الهند، وجد أن المسرحيات في الهند تقتصر على مسرحيات الشارع فقط، وأن اهتمام الناس بهذا الشكل من الفنون أخذ يتضاءل تدريجياً مع ظهور صناعة الأفلام. فتعاون مع بعض عشاق المسرح ومثّلوا بعض المسرحيات ضمن اقتباسات قوية وناجحة للتراجيديات الإغريقية ومسرحيات شكسبير وأوغست ستريندبرغ، أعمال حققت نجاحاً باهراً وشعبية واسعة في البلاد. ثم سرعان ما بلغت شهرته أروقة السلطة في نيودلهي. فاختير القاضي من قبل حكومة نهرو لقيادة «المدرسة الوطنية للدراما»، التي كانت قد أُسست حديثاً في دلهي. وبعد أن رفض عدة مرات، وافق أخيراً على الإشراف على المدرسة في 1962.
وعلى مدى 15 عاماً كمدير لـ«المدرسة الوطنية للدراما»، أخرج بعضاً من أشهر الملاحم مثل «سلطان رضية» و«يوم في حياة محمد بن تغلق»، إلخ، حول حكام مسلمين في الهند في القرون الوسطى. وجل هذه المسرحيات مُثلت في الهواء الطلق، في أطلال معلمة «قلعة فيروز شاه» التاريخية. أسلوبه المبتكر وتفانيه العميق جذبا الجماهير من كل فئات المجتمع الهندي، من جمهور الطبقة الوسطى إلى رئيس الوزراء جواهر لال نهرو، الذي ذُهل بهذا الرجل الذي يعد علامة عالمية ومحلية في آن معاً للمسرح الوطني.
وخلال فترة توليه إدارة «المدرسة»، أثبت القاضي قدرته على توظيف الفنون الهندية القديمة في مزاولة المسرح ورسّخ في تلامذته فهماً للمسؤولية المجتمعية. ولكن القاضي لم يؤثّر في مسار المسرح الهندي المعاصر فحسب، مشكّلا روابط بين المفردات القديمة والعبارات الاصطلاحية الحديثة، وإنما أظهر أيضاً مهارة كبيرة في تحويل «المدرسة الوطنية للدراما» إلى واحدة من أنجح المؤسسات في العالم وأشهرها. ومن بين طلابه المشهورين الذين استفادوا من رعايته بشكل مباشر كوكبة من ممثلي ومخرجي الأفلام الهندية المعاصرين من أمثال نصير الدين شاه، وأنوبام خير، وعرفان خان، وأوم بوري، وشاه روخ خان.
القاضي، الأيقونة المعاصرة للروابط الثقافية الهندية-العربية، توفي الأسبوع الماضي عن سن تناهز 94 عاماً. وبوفاته فقدت البلاد المهندس الأسطوري للمسرح الهندي الحديث وخبيراً فنياً من الطراز الأول. ولكن العزاء والأمل هو أن تواصل ابنته أمل وابنه فيصل القاضي، اللذان أسسا «رواق التراث الفني» في دلهي الذي يعرض كل أطوار رحلة والدهما الفنية، السير على خطاه في تعزيز الروابط بين الهند والعالم العربي.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.