.
.
.
.

فشل دولة المحاصصة

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

لا أدرى ما إذا كان ٢٥٠ أو ٣٠٠ مليون دولار يمكنها أن تنقذ لبنان أم لا؛ ولا أدرى ما إذا كانت استقالة رئيس وزراء لبنان حسن دياب ووزارته يمكنها أن تدرأ عنها أضرارا كبيرة محتملة أم لا؛ ولكن ما أدريه هو أن النظام السياسى الذى أقامته لبنان منذ الأربعينيات من القرن الماضى والقائم على «المحاصصة الطائفية»، لم يعد ممكنا له الاستمرار دون ثمن فادح من الخسائر، فيما يخص لبنان، وقدر هائل من عدم الاستقرار والتطرف والإرهاب بالنسبة للمنطقة.

الشائع عن النظام السياسى اللبنانى أنه قائم على توزيع السلطات فى الدولة بين الطوائف، فالرئاسة للموارنة المسيحيين، ورئاسة الوزارة للسنة، وقيادة البرلمان للشيعة. وفى وقت ما اعتبر بعض علماء السياسة أن ذلك يعنى نوعا من «الديمقراطية التوافقية أو Consociational Democracy» التى تكفل التوازن والأثقال المضادة، وجذورها توجد فى دول تعددت شخصيات مكوناتها فى هولندا وبلجيكا وماليزيا، وفى دول اختلفت مقوماتها الطائفية اختلافا عميقا ولكن نخبها رأت النجاة فى التوافق على توزيع السلطة.


ولكن الحقيقة فى لبنان لم تكن كذلك، وإذا كان لها أن تستمر بطريقة أو أخرى وتخيل عرب أنها تدل على مقدرة التعايش بين هويات مختلفة، حتى طلبت الجامعة العربية من الرئيس سليمان فرنجية تمثيل العرب فى الأمم المتحدة عام ١٩٧٤؛ فإن الواقع كان يقترب من أطول الحروب الأهلية العربية واستمرت ١٦ عاما بعد ذلك. وما ليس شائعا أن النظام كله تغير جوهريا بعد الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982 إبان الحرب الأهلية، ثم غزوها الآخر للبنان عام ٢٠٠٦ فقد خرج «حزب الله» من الغزوة مدافعا عن لبنان، وكان الثمن الذى حصل عليه هو تبعية النظام السياسى اللبنانى له ولمناصريه: إيران وسوريا. عمليا دارت صفقة بين الحزب والنخبة اللبنانية الطائفية تقوم على أن يستمر النظام السياسى اللبنانى وفق طقوسه المعروفة، وتحصل عائلات القيادة فى كل طائفة على نصيب من الثروة اللبنانية، ويذهب الحزب إلى حيث يريد فيتدخل فى الحرب الأهلية السورية، ويصبح يدا من الأيدى الإيرانية الطولى فى المنطقة.


تحملت لبنان الكثير نتيجة سيطرة حزب الله ربما لن يكون انفجار الميناء آخرها. اندفع اللاجئون السوريون وغيرهم من اللاجئين إلى لبنان، وتوالت الحروب الأهلية السورية إلى داخل لبنان بطريقة أو بأخرى، مع سلاسل من المواجهات مع إسرائيل تكون فيها قرارات الحرب والسلام أو الهدنة فى يد الحزب وليس الدولة اللبنانية ولا نظامها السياسى. كانت يد الحزب وسلاحه طويلة بالاغتيال والعنف والتهديد بالحرب الأهلية التى هو الطرف الوحيد المستعد لها بالمظلة التسليحية الإيرانية. النتيجة هى أن الدولة التى تبدو رقميا من الدول الغنية التى ترتفع فيها نسبة التعليم إلى ٩٠٪، ومتوسط دخل الفرد يقترب من ١٠ آلاف دولار؛ فإنها فى حقيقتها جائعة، وعاجزة عن إدارة مواردها، ولا تعيش دون أن تكون فى كنف المجتمع الدولى. ولم تكن هناك صدفة أنه عندما زارها «ماكرون» الفرنسى تقدم له بعض اللبنانيين بعريضة وقعها ٦٠ ألفا تطلب عودة الانتداب الفرنسى مرة أخرى. مثل هذا ليس جديدا فقد حدث فى عدد من الدول الإفريقية خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى عندما اشتدت الحروب الأهلية والجرائم ضد الإنسانية فى رواندا وبورندى وسيراليون وليبيريا وغيرها، فلم تجد طوائف إلا المطالبة بعودة الاستعمار مرة أخرى.


ولكن حل المأساة اللبنانية لن يكون بعودة الاستعمار، وإنما إقامة الدولة الوطنية التى تتعامل مع جميع الذين يعيشون على أرضها حاملين للجنسية اللبنانية على أنهم مواطنون. وهذا بالمناسبة هو ما طالب به الحراك الوطنى اللبنانى اعتبارا من نوفمبر من العام الماضى؛ أن تكون لبنان كلها دائرة واحدة ويكون لكل مواطن فيها صوت واحد. فى هذا الوطن لا يكون لطرف آخر- مهما كان- حق حمل السلاح غير الجيش اللبنانى والأجهزة الأمنية اللبنانية؛ وعدا ذلك فإنه على كل المليشيات اللبنانية أن تحل نفسها، وتسلم سلاحها إلى الجيش الوطنى اللبنانى. ومثل ذلك ليس جديدا على لبنان، وعندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية فى عام ١٩٥٨ كان ذلك لأن الجيش اللبنانى بقيادة اللواء فؤاد شهاب تقدم لكى يتحمل المسؤولية ويتولى قيادة الدولة خلال الفترة من ١٩٥٨ وحتى ١٩٦٤، كانت كافية لتحقيق انتقال من الحرب إلى السلم. الآن لا ينبغى أن تكون العودة إلى السلم معناها العودة إلى الطائفية مرة أخرى، وإنما إلى دولة أولا مستقرة وآمنة ونامية، وثانيا تسمح بالمساواة والتكافؤ بين جميع من يشاركون فى بنائها.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.