.
.
.
.

الفضاء الخليجي وضرورة الاستجابة لحركة التاريخ

علي الخشيبان

نشر في: آخر تحديث:

الحديث هنا يدور حول عصر جديد وحركة تاريخية دشنتها الأحداث التي مر بها الإقليم العربي وفي ثناياه الإقليم الخليجي، وانبثق من هذه الأحداث نزعات تحولية غيرت الوجه التقليدي خليجياً وعربياً، ولن أطيل في فهم الموقف العربي وتحليله لأن المطلوب هو محاولة فهم الاستجابة المتوقعة لحركة التاريخ من قبل دول الخليج بشكل دقيق وخاصة الدول الخمس الفاعلة في مجلس التعاون.
الأحداث التي خلفتها لنا حقبة ما يسمى بالربيع العربي مختلفة، لذلك غيّرت الكثير من قواعد المشهد العربي، فلم يعد العراق نفسه، ولم تعد سورية نفسها، ولم تعد ليبيا نفسها، ولم يعد اليمن نفسه، ولم تعد تونس نفسها، ولم يعد السودان نفسه، ولم تعد الجزائر نفسها، حتى لبنان لن يعود نفسه بعد التفجيرات، هذا التحول في المشهد العربي ليس بحاجة إلى دليل سياسي يثبته فالتحولات تطرح أسئلة مهمة وراسخة حول المستقبل في المنطقة.
وبين عشية وضحاها، تبخرت المعايير السياسية العربية وانساقت إلى حركة تاريخية جديدة غيرت قواعد اللعبة السياسية، ولم تعد ذات الدول تمتلك تاريخها القديم، لأن هناك حركة تاريخية جيدة بدأت تظهر إلى العلن، وحتى القضايا العربية الكبرى دخلت في مسارات مختلفة وأصبح لزاماً على الجميع أن يجرب طرقاً بديلة وأدوات مستحدثة لمناقشة هذه القضايا وفهمها من جديد وبطرق ناجعة، لقد أصبح من الواضح أن هذه التحولات التاريخية في المنطقة العربية أعطت الفرصة لقوى محيطة أن تسرّع من محاولاتها لملء الفراغات السياسية وهذا ما تحاول فعله كل من تركيا وإيران.
هذا المشهد المؤلم للواقع العربي يطرح سؤالاً مهماً حول الدول الخليجية تحديداً، وهل عليها أن تقف لتنتظر دورها في هذا المسار الذي أصاب بقية الدول العربية، أم أن عليها أن تسارع إلى الاستجابة لحركة التاريخ وتطرح فهما مختلفاً ومستحدثاً للواقع الذي يجب أن يكون عليه عالمنا الخليجي بشعوبه التي تعتقد اعتقاداً راسخاً أن مسؤولية قياداتها أن تسير بها نحو الاتجاه الصحيح، وخاصة أن الثقل العربي كله ارتكز على الدول الخليجية التي تقف في مقدمتها السعودية فهي الدولة الأكبر والأكثر تأثيراً في المنطقة والأكثر موثوقية على المستوى الدولي، وهي الحصن والدرع الواقي للتماسك الخليجي.
الشعوب الخليجية اليوم وكذلك قياداتها لا ترغب أن ترى نفسها تتأخر في تقديم استجابة مباشرة وسريعة لحركة التاريخ، فليس المطلوب تكرار ذات المنهجيات والاخفاقات التي اجتاحت الفضاء العربي وفي معظم دوله خلال العقد الماضي، الدول الخليجية تمتلك من المقومات الاقتصادية والسياسية والثقافية ما يجعلها مؤهلة إلى أن تتحرك بطرق أكثر تقدماً وانفتاحاً على المستجدات إقليمياً ودولياً، فالخليج بدوله الخمس المتماسكة أصبحت حركة التاريخ تطالبهم أن يصنعوا هوية جديدة ليس فقط هوية خليجية بل هوية تقود الشرق الأوسط كله، وهذه هي المهمة التي نلمسها في الخليج اليوم من خلال حركات الإصلاح الاقتصادي والتغيير والثقافي والتحول السياسي، لقد أصبحت الدول الخليجية اليوم أمام مشهد للشرق الأوسط لا يستثني أحداً بما في ذلك دولة إسرائيل.
ومع أن المعضلة الثقافية تبدو كبيرة بمجرد الإشارة أو الحديث عن أو حول دولة إسرائيل، لكن السؤال المهم يقول هل يمكن البحث عن مسارات وطرق مختلفة للوصول إلى حل للقضية التي تقف عقبة بيننا وبين إسرائيل، لقد أصبحت إسرائيل واقعاً تاريخياً في المنطقة وأصحبت القضية الفلسطينية قضية مختلفة في مفهومها عن الوضع قبل منتصف القرن الماضي، والحقيقة المهمة اليوم أن مفهوم القضية الفلسطينية اليوم ينطوي على مفاهيم مختلفة تتطلب فهماً جديداً ومختلفاً، وخاصة أن التجربة التاريخية لحلول القضية القضية الفلسطينة سارت بنهج افقدها الكثير من الفرص التاريخية لوضع حلول نهائية.
الحقيقة المهمة أنه على امتداد الشرق الأوسط الواسع، هناك تغيرات كبرى في سيناريوهات المشهد السياسي، وهناك أفكار تتهاوى بينما تولد رغبة جادة إلى التفكير بطرق مختلفة لأن هناك ثقافة سياسية تتطور في المنطقة، هذه الثقافة تتطلب الوقوف أمام الكثير من المفاهيم المستحدثة، ولكن ذلك التطور في المنطقة، وخاصة ما يرتبط بعلاقة المنطقة بأكملها بإسرائيل، لن يكون يوماً من الأيام على حساب القضية الفلسطينية التي أصبحت قضية دولية، ومن يعتقد أن فتح التواصل مع إسرائيل لدى أي دولة من دول المنطقة سواء عربية أو خليجية سوف يشكل نهاية لقضية الفلسطينية فهو اعتقاد جاهل وغير مدرك لحقيقة الوضع الدولي، فلم تعد القضية الفلسطينية مسؤولية دولة بعينها ولن تختفي المطالبة العربية بحق الشعب الفلسطيني بمجرد توقيع اتفاقات بل على العكس ستفتح الكثير من قنوات الحوار المباشر والمثمر.

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.