.
.
.
.

آب الحزين.. زمن الفرص الضائعة

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

يأتي أغسطس آب من كل عام حاملا ذكرى جرح لا يزال غائرا في الجسد العربي، وليس الكويتي فقط، فقد كان الغزو العراقي للكويت عام 1989 تراجيديا يصعب على آلهة الاوليمب تصورها في أي وقت من الأوقات.

نحو ثلاثة عقود مضت، والآثار السلبية باقية، فالعراق الغازي، تشظى ولا يزال، ويحتاج إلى معجزة تشبه نهضة الفينيق ليقوم من رقاده، والكويت الذي عانى من طعنة الاحتلال لم يبرأ نفسيا من تبعات خيانة الشقيق، وقديما قيل "جرح الأقربون يدمي".

كان يمكن للأزمة أن لا تنفلش إن جاز التعبير على النحو الذي رأيناه لو كانت هناك مظلة عربية – عربية، تبدأ من عند التخطيط السياسي والاقتصادي، وصولا إلى التنسيق الأمني والعسكري، وبينهما آليات لمواجهة ومجابهة الخلافات والنوازل.

اعترفت الكويت بأنها كانت تستخرج من حقل الرميلة 1700 برميل نفط يوميا، والاتهام العراقي كان يشير إلى أن المستخرج 200 برميل.

هنا يعن لنا أن نتساءل: "هل كان الفارق الذي لا يتجاوز 300 برميل سببا في دفع صدام حسين لاحتلال الكويت؟

بعد ثلاثة عقود من الأزمة المؤلمة يتساءل المرء عن السبب الرئيس في بقاء أزمات الحدود في العالم العربي، ولا يوفر المحلل الأيادي الاستعمارية الخبيثة التي قسمت المقسم وجزأت المجزأ، غير أن هذه قصة أخرى، فما كتب قد كتب.

هل كان صدام حسين هو السبب الرئيس في أزمة العراق والكويت؟

مؤكد أن أحدا من معاصريه لا سيما من القادة العرب لم يكن يجول بخاطره أن يمضي صدام المعروف بتهوره إلى تلك النقطة التي تجاوزت كل ما هو معروف ومألوف وموصوف من مغامراته السابقة، ومنها ثماني سنوات من الحرب مع إيران، والانتهاء منها بطريقة غير مفهومة.

اعتبر الكل أن صدام بتهديداته للكويت إنما يناور سياسيا، وما ذكره رئيس الوزراء مضر بدران في مذكراته التي نشرت مؤخرا، يفتح الباب واسعا لشكوك وهواجس إن صدقت الرواية التي تقول إن أحد جنرالاته هاتفه من على الحدود الكويتية العراقية وأخبره بأنه ما من قوات هناك على الأرض، فهل يكمل المسير إلى قلب الكويت، وكان أن أجابه صدام بالموافقة.

هل يمكن أن يكون ذلك صحيحا؟

مهما يكن من أمر الماضي الذي لا يمكن العودة إليه لتصحيحه، سيما وأننا لا نمتلك آلة الزمن، إلا أن رواية رئيس الوزراء الأردني بها ثقوب كثيرة ،لا سيما في إلقائه عبء إفشال موافقة صدام على الانسحاب من الكويت في الأيام الأولى للأزمة على مصر والسعودية، واتهامهما بأنهما تسرعتا وأن حسني مبارك وافق على إرسال قوات مصرية إلى حفر الباطن قبل مؤتمر وزراء الخارجية العرب، وهو أمر ينافي ويجافي الحقائق والتواريخ.

الذين تابعوا الموقف المصري جيدا في تلك الفترة يدركون عدد المناشدات التي وجهها الرئيس المصري الراحل، والتي اقترب من العشرين لصدام حسين للانسحاب من الكويت، وقد صم آذانه عن الاستماع، فيما كانت صواريخه تتوجه إلى حفر الباطن والخفجي، وباتت نواياه واضحة للقاصي والداني، لا يخفيها على أحد، أي تكرار الغزو للمملكة العربية السعودية.

كان من الواضح أن صدام لم يتخذ هذا القرار بين عشية وضحاها كما يتبين لقارئ المذكرات التي بين أيدينا، فقد سبقها إعلان ما سمي الاتحاد العربي الرباعي بين اليمن والعراق ومصر والأردن، وهناك وقائع عديدة جرت بها المقادير تشير إلى أن تخطيطا ما جرى بين عدن وبغداد وعمان، تتشابك خيوطه وتتقاطع خطوطه مع ما حدث للكويت، ولم تكن القيادة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات بعيدة عن المشهد.

والشاهد أننا لسنا في مجال مقاربات الحقيقة والزيف في أحداث المذكرات، والتي تحاول سرد القصة من زاوية واحدة هي الزاوية الأردنية، وإسباغ نوع من أنواع القداسة على القيادة هناك في تلك الفترة، وإنما في سياق استلهام الدروس التي تتجاوز المقدرة القصصية لصالح طرف أو أخر.

مثل غزو العراق للكويت صورة للقيادة التي التي لا تمتلك قدرة استشرافية، والتي تعدم من التقديرات الاستباقية، ولم يكن هذا غريبا أو مثيرا في حال صدام حسين، فقد حدث أن زار الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، العسكري بامتياز، والجنرال المحارب في ساحات الوغى منذ العام 1949، غرفة عمليات الحرب العراقية، في زمن المواجهة مع إيران، وهالته الخسائر العراقية، وتساءل عن الحسابات الحربية والتقديرات الأولية والاستشرافية، ويومها مال عليه أحد كبار الجنرالات العراقيين بالقول: "إنه لا يسمح لنا بفعل ذلك"، في إشارة فهمها مبارك وقتها بأن المقصود صدام، الرجل الذي لم يتحصل على علوم عسكرية، وإنما مارس ضربا من ضروب الديماجوجية تجاه شعبه، ومن قبل ذلك لعب نفس الدور تجاه الرئيس المصري الشهيد أنور السادات بعد مبادرة السلام عام 1977، فقد كان حلمه هو السيطرة على العالم العربي ومقدراته، وحلمه أن يقلد الغراب مشية الطاووس، ما قاده إلى نهاية مؤسفة في خاتمة حياته.

آب الحزين يعلمنا كيف أنه يتحتم علينا أن نقارب الواقع ومعطياته بالمستقبل وآلياته، وأن لا نتحجر أو نتكلس من حول أنفسنا، فالكائنات التي تشرنقت في كهوفها انقرضت، أما القادرون على فهم الأزمنة وسياقات الأحداث فاستمر بهم المسير.

بعد ثلاثة عقود من غزو الكويت يحاول العالم العربي التعافي، وتتطلع الشعوب العربية إلى منظومات نهضة حديثة فيها من القوة الناعمة ما يواكب الخشنة، فقد انتهى زمن دون كيشوت مرة وإلى الأبد ...العدل أساس الملك ...والحق أحق أن يتبع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.