.
.
.
.

دعوة للكتابة بالأرقام الأجنبية

خالد منتصر

نشر في: آخر تحديث:

هناك معلومة تقول إن الأرقام الأجنبية هى فى الأصل أرقام عربية، وإن الأرقام التى نكتب بها الآن هى أرقام هندية الأصل، ولكن حتى لو كانت هذه المقولة خاطئة فإننى أفضّل الكتابة بالأرقام الأجنبية، وأدعو للكتابة بها وأتعمّد كتابة رقم تليفونى لأصدقائى بهذه الصيغة، ليس على سبيل «الأنعرة» أو التعالى، وليس لأننى متفرنج أو مغترب، ولكنى أكتب بها لأنها أكثر دقة، ولأن أرقامنا العربية رديئة جداً، ومن السهل تزويرها جداً جداً.

كان أبى، رحمة الله عليه، مدير أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعى، وكان يقول لى، من خلال خبرته الطويلة فى هذا المجال، إن من ضمن أسباب سهولة تزوير الشيكات والكمبيالات عندنا رداءة أرقامنا العربية، وخاصة الصفر! ولينظر كل منا إلى هذا الصفر الهلامى الذى ليس له قوام أو كيان، مجرد نقطة تائهة، من السهل تحويلها إلى أى رقم، من السهل حذفه وإضافته، الصفر حقاً لعنة رقمية لا تستحق التمسك بها.

سبقتنا تونس إلى استخدام الأرقام الأجنبية فى صحفها ومكاتبات مصالحها الحكومية، وهى بالفعل محقة فى ذلك، فالرقم الأجنبى له منطق وكيان وحيوية، فالواحد له زاوية واحدة، والاثنان لو كتبناها كحرف الزد لها زاويتان.... وهكذا، والصفر الأجنبى له أيضاً هيبة وكينونة وأهمية، وليس مجرد غرسة سن قلم تائه فى البرية. واستخدام تلك الأرقام ليس له أى علاقة بخيانتنا لعروبتنا ولا لهويتنا، ولا يُعد غزواً ثقافياً ولا مؤامرة صهيونية صليبية أمريكية استعمارية كونية، ولكنه بحث عن مزيد من الدقة والمنطق والوضوح.

اندهشت عندما اطلعت على فتوى مجلس هيئة كبار العلماء فى المملكة العربية السعودية فى دورته الحادية والعشرين المنعقدة فى مدينة الرياض ما بين ١٧ و٢٨ من شهر ربيع الآخر عام ١٤٠٣ هـ فى هذا الموضوع بتحريم استعمال الأرقام الأجنبية لأسباب كثيرة، من ضمنها: أن الفكرة لها نتائج سيئة، وآثار ضارة، فهى خطوة من خطوات التغريب للمجتمع الإسلامى تدريجياً!. والسؤال: هل هذه الأرقام التى نقول عنها عربية مقدسة؟ هل نزلت بشأن كتابتها على هذا النحو نصوص قرآنية تحث على استخدامها ورفض غيرها؟ هل عرب الجزيرة العربية هم مخترعو هذه الأرقام؟!

إننا لا نتحدث عن مقدسات، ولا نخوض فى أوامر ونواهٍ سماوية. تطوير الأرقام وحتى تطوير النحو وقواعد اللغة العربية شىء مطلوب ومُلح وضرورى، وهذا التغيير ينبغى ألا يُطرح على بساط الخلافات الفقهية فى المجامع الإسلامية، ولكنه يخضع للعقل وللضرورة ولظروف التطور فقط.

فلنجرب الكتابة بهذه الأرقام، وثقوا بأنكم لو كتبتم بها لن تخونوا دينكم أو هويتكم أو عروبتكم، بل ستخونون شيئاً واحداً، ستخونون الجمود والتشرنق والتحجر، وهذه خيانة مشروعة جداً.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.