.
.
.
.

ما خلف لقب " الخلافة"

أحمد الفاضل

نشر في: آخر تحديث:

تقول كتب التاريخ انها الدولة العثمانية او الدولة العلية العثمانية أو الخِلَافَةُ العُثمَانِيَّة، وهي كتعريف إمبراطورية إسلامية أسسها عثمان الأول بن أرطغرل، واستمرت قائمة لما يقرب من 600 سنة.
وبعيداً عن نشأتها كإمارة حُدود تُركمانيَّة تعمل في خدمة سلطنة سلاجقة الروم ومشوارها الطويل في التوسع، نحاول ان نفهم هل من المنطقي ان تُسمى الامبراطوية العثمانية "دولة خلافة"؟
درجت العادة ان يكون الترتيب التاريخي لمسيرة الخلافة: الخلفاء الراشدون ثم الدولة الاموية ثم العباسية ثم العثمانية. لكن عندما نقف عند كلمة الخلافة واشتراطاتها، سنجد ان عصر الخلافة انتهى بوفاة علي. وما تلى ذلك هو "مُلك"، وإن أطلِق على المَلك تسمية "الخليفة" فهي مجاز. فالخلافة ليست ملكاً يُتوراث. ومعاوية ابن ابي سفيان اول الملوك. واستمر المُلك في سلالته حتى جاء بنو العباس وعاودوا الكرّة. وهاتان الدولتان، بغض النظر عن فكرة شكل الحكم (المُلك) تنتميان الى السلالة القرشية. وهو أمر لا ينطبق على آل عثمان المنحدرين إثنياً من العرق المغولي.
لست هنا لأويد او اعارض فكرة الخلافة في قبيلة او عرق، إنما لكي أبيّن الفروقات. حتى ان صلاح الدين الأيوبي على رغم شدته وتمكّنه، حين قضى على الدولة الفاطمية لم يتجاسر على إعلان نفسه خليفةً.
عرف عن سلاطين الدولة العثمانية جشعهم للسلطة وتعطشهم للتوسع بأي طريقة. وتبدأ قصة "الخلافة" معهم من تولي السُلطان سليم الأوَّل مقاليد الحكم. وهو اول من أعلن نفسه "خليفة". كان ذلك في 1517م، أي بعد ما يقارب 120 سنة من قيام دولتهم، حين احتل مصر وكان فيها آخرُ خُلفاء بني العبَّاس مُحمَّد الثالث المُتوكّل على الله، الذي تنازل عن لقب الخِلافة خوفاً من بطش (سُلطان البرّين وخاقان البحرين وكاسرُ الجيشين) سليم الاول. هذا ما ترويه غالبية كتب التاريخ المؤيده لبني عثمان. لكن الحقيقة أن ثمة إثباتات جمّة تدل على ان السلاطين العُثمانيين كانوا يُلقبون أنفسهم بخُلفاء المُسلمين مُنذ فترةٍ طويلة سابقة على احتلال مصر، من أيَّام مُراد الأوَّل. ولكنها ألقاب لم تحظَ بأي اعتراف.
واول اعتراف كان ضمن مُعاهدة كيتشك كاينارجي، بين الدولة العُثمانيَّة والقيصرة كاثرين الثانية في 1774م. المُعاهدة ذات الرمزيَّة العالية والقاسية حتى اليوم على تاريخ العثمانيين، حيث تضمَّنت الاتفاقية الاعتراف الدولي لأول مرة بالدولة العُثمانيَّة كدولة خِلافة إسلاميَّة لجميع المُسلمين. وانتزعت منها خانيَّة القرم جهاراً نهاراً فارضةً حقها في حماية مسيحيي السلطنة العثمانية.
ولا شك أن فكرة الخلافة خدمت العثمانيين الذين استفادوا منها كثيراً بأسم توحيد الصفوف في مواجهة القوى العظمى، ورفع راية الاسلام شكلياً ووفق ما تتطلبه الحاجة وخزينة السلطان. فقد تبدلت العقائد والافكار في صميم بيت السلطة مراراً. واكبر تلك التحولات هو تقديس ابن عربي في السلطنة، صاحب نظرية وحدة الوجود، وترميم قبره وبعدها بمئة عام يتم تكفيره وقتل من كان على طريقته الأكبرية.
وإن كان هناك من امتياز لـ آل عثمان هو أنهم بلا هوية حقيقية. فكل الابهة والمظاهر التي اشتُهروا بها، ما كانت الا استعارة من ثقافات مجاورة. فأخذوا من المسلمين الخلافة ومن المغول الخان والخاقان، ومن الفرس صاحب قِران اي ملتقى كوكبي المشتري وزحل، ومن الاخمينيين باديشاه "ملك الملوك". ووصلوا الى حدٍ أبعد، فقد اتخذوا لقب "قيصر الروم" حين دخلوا القسطنطية.
وغير صحيح القول إن العثمانيين حموا الوطن العربي من الاستعمار الغربي. فالمملكة المغربية وسلطنة عُمان تمكنتا بقواهما الذاتية من صد المستعمرين. كما احتُلت كل من الجزائر وتونس ومصر وليبيا واليمن وهي تابعة للعثمانيين ولم يحمُوها.
فالحروب لم تهدأ طيلة فترة الدولة العثمانية في الوطن الغربي، من جنوب الجزيرة العربية حتى تلال الشام… كان الباشا يأتي فقط ليقطف الخيرات ويزرع مكانها الجهل والفقر.
فعن أي خلافة نتحدث، الا اذا كانت على طريقة ابوبكر البغدادي!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.