.
.
.
.

مكالمة تلفونية بزمن الكورونا؟

د. سوزي محمد سلمان

نشر في: آخر تحديث:

مكالمة تلفونية بزمن الكورونا تعيدني 41 سنة للوراء ليوم توقيع اتفاق كامب ديڤيد بين السادات و مناحيم بيغن.

لكن اليوم لا يشبه الأمس بشيء فقط الذاكرة وثقل الموروث الثقافي هو الذي يعيدني لذكرى عتيقة.

اليوم أنا جالسة في منزلي بأمن وأمان ببلد يتطلع له الجميع باعجاب لنهضته الحضارية و سباقه مع الزمن للتطوير .. هو الإمارات العربية المتحدة.

أشاهد الأخبار وأشهد للمرة الثانية توقيع اتفاق يدعو إلى السلام بين بلد عربي و اسرائيل، في المرة الأولى كنت طفلة صغيرة في المرحلة الابتدائية ببيت جدي في مدينة اللاذقية في سوريا صوت التلفاز مرتفع و خالتي رحمها الله غاضبة وهي تقترب و تبتعد بخطوات عشوائية بتجاه التلفاز غير مصدقة ما ترى أما جدي ينظر بصمت بعينين مغبشتين بالدموع... ماهي إلا بضع ساعات حتى هبت سوريا بالمسيرات المناهضة للاتفاق حتى مدرستنا أخذتنا نجوب الشوارع مرددين بحماس أغاني قصيرة و شعارات منددة بالاتفاق.

الآن شعوري تغير تماماً لأن الرؤية اتضحت بشكل كامل بعد أن استطعت أن أجد لنفسي الإجابة عن كلمة ( لماذا ) التي ملأت المكان.

لماذا الآن ؟

لأن الجيل الذي يعرف ويدرك مدى عمق الصراع العربي الاسرائيلي لم يبقى منه شيء سوى اللجوء و التشرد و التشرذم و الفقر و الهجرة و انخرط بثقافات غربية أعطته الأمان و الاستقرار و قيمته الإنسانية التي كان يفتقدها داخلياً ببلده.

لماذا الآن؟

لأن التغير الديمغرافي الذي جرى ضمن الشعوب العربية هيأته لتلقي هذا الاتفاق بسلاسة وليس بغضب لشعوره بقلة الحيلة ومعرفته بأن مواقفه الماضية لم تأتي له بجديد أو بأي تقدم.

لماذا الآن؟

لأن دعم السلطة الفلسطينة و مدها بالمال كل هذه السنوات لم يأتي بحق الشعب الفلسطيني، لا بل عانت كثير من شعوب الدول العربية داخلياً و خارجياً نتيجة استغلال حكامها للقضية الفلسطينة ففرضت عليهم ضغوط وقيدت حرياتهم و كبلتهم بالممنوعات.

لا بل قُتل الكثير من مواطني الدول العربية في نزاعات داخلية أكثر مما قَتل الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين.

فجاءت الفوضى الخلاقة التي لُمعت باسم الربيع العربي لتفتح الجروح الداخلية و تنشرها للعلن عسى أن تشفى و تكون بداية لطريق الحرية المنشود لكن النتيجة شكلت جيشاً كبيراً من الأموات و أنشأت جيل مما تبقى إما بالمخيمات فقير معدم أو خارج أوطانه لايعرف لغته ولا قضاياه ولا يهتم بها.

لا بل نتيجة يأس المهاجرين من القومية العربية و من عروبتهم بشكل عام لما أثبته التاريخ لهم ، أصبحوا يتسابقون لتدريس أبنائهم ثقافات أخرى يرون فيها مستقبل أفضل لأبنائهم.

في الجهة المقابلة من يخطط بوضوح لقضيته هو ( الجانب الإسرائيلي ) ، فقط الشعب الفلطسيني من تحرك بالفعل وليس بالقول ليوقف هذا المخطط لكنه لم يستطع.

أنتَ كعربي مدرك لتاريخ الصراع العربي الاسرائيلي ولطمعه و طمع بعض الدول الغير عربية بالهيمنة على العرب، واستغلال هذا الصراع أيضاً لخدمة مصالحهم بالمنطقة، يأتي هذا الاتفاق من الجانب الإماراتي ليضع حداً لهذا التخبط ووضع كل الأوراق بوضوح على الطاولة أمام العالم .

الإمارات العربية بنت مكانتها بجهدها و إصرارها و عزيمتها فلم تبخل بمالها لبناء أرضها أولاً و أيضاً لمساعدة و مد كل الدول العربية عندما يلزم، ولم تنكر أو تخفي اتفاقيتها منذ تأسيسها ببريطانيا.

أهمية الإمارات لم تأتي بالصدفة لا بل جاءت نتيجة خطة مدروسة و فهم و رؤية لتطورات الزمن و الأحداث و غياب دور بعض الدول العربية عن مركز القرار العربي و الدولي ،فأصبحت لاعب أساسي للسياسة بالشرق الأوسط.

التحدي كبير للتحديث و لتقبل هذا الاتفاق مع موروث ثقافي قائم على الإيمان بفلسطين و حق العودة للفلسطينين.

قرار الاتفاق من الممكن أن لا يحدث التغير المرجو لنتيجة فقدان الثقة بالجانب الاسرائيلي لكنه يفتح الأفق لواقع جديد تقبّله أفضل من رفضه.

التغيير لا يُصنع بالأمل!

الأفعال هي التي تُحدث التغيير.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.