.
.
.
.

المستجدات.. في دبلوماسية الإمارات

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

إعلان دولة الإمارات عن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بمباركة أميركية، لم يأت كخطوة من قرار مفاجئ، وإنما حصيلة ترتيبات من الأطراف تصاعدت حرارتها مع تلاقي المصالح، وتفاهمات حول توترات أمنية إقليمية، وتعاون في مسارات التكنولوجيا والأبحاث العلمية، والتفاهمات المخابراتية، ولا أشك بأنها وليدة قناعات راسخة لدى الإمارات بأنها خطوة تاريخية في أبعادها الاستراتيجية والسياسية وفي ديناميكيتها الجغرافية التي ستزيل مصدات سيكولوجية وتردم تباعدات كنا نتصور صعوبة عبورها..ودولة الإمارات تمارس سيادتها وفق منظور المصالح وهي أدرى بما يفيدها، ولنا حق في مناقشة تأثيرها على دول مجلس التعاون وعلى النظام العربي، وعلى مستقبل الشعب الفلسطيني، وسأبدي بعض الملاحظات التي أتصور حدوثها مستقبلاً: أولاً: منذ تولي اليمين الاسرائيلي المتطرف المدعوم من الرئيس ترامب، دخلت القضية الفلسطينية في ممر معقد وصعب، فأغلقت أبواب مجلس الأمن، الذي كان عضداً سياسياً مؤثراً في حيوية القضية، لم تكن واشنطن ترفض بحث الموضوع في مجلس الأمن، وكانت تصوت إيجابياً على بعض جوانب القضية، ولا تعترض على إدانة المستوطنات، وسعت كثيراً لإحياء مفاوضات بين المنظمة واسرائيل في عهد كلينتون وفي عهد الرئيس جورج بوش الأب والابن، وفي زمن أوباما.. لم تنجح هذه الوساطات الأميركية بسبب رفض اسرائيل العودة إلى حدود 1967، وعودة اللاجئين، لكن العقدة كانت القدس التي تريدها اسرائيل كعاصمة لها بمفردها.. وهناك الكثير من التفاصيل المنشورة في مذكرات المشاركين، مثل السيدة كونداليسا رايس وكولن باول وهيلاري كلينتون، توضح هذه المذكرات عدم استطاعة واشنطن الضغط على اسرائيل لتحقيق ما يرضي الفلسطينيين، لهذا فشلت كل الجهود. جاء الرئيس ترامب وأنهى هذا الفصل المتكرر، وتبنى سياسة أميركية تحصر الموضوع في مباحثات فلسطينية - اسرائيلية، قد تؤدي إلى حل تنسحب وفقه اسرائيل من مسافات في الضفة لا تهمها كثيراً ولا عودة للاجئين إلى اسرائيل، مع قبول حق اسرائيل بالتوسع في الضفة وضم القدس والأغوار.. لم يحدث أي تقدم لسببين، تباعد المواقف بين المنظمة واسرائيل، وبسبب أسلوب الرئيس ترامب في عدم التدخل، لعدم قناعته بالنهج الذي اتبعته الولايات المتحدة سابقاً، ورسم خطة بمفرده تتشكل من أفكار مشوشة وغير واضحة لا في الانسحاب ولا في شكل الدولة الفلسطينية، وتعاطف ترامب مع دبلوماسية اسرائيل وتجاهل وتصلب ضد الأهداف الفلسطينية في دولة وفي انسحاب، مع إغلاق أبواب مجلس الأمن، والقضاء على أي أمل في قرار أو بيان سياسي عام، وانحصرت قضية فلسطين في قبول الممكن والفائض عن حاجة اسرائيل مع قبول أميركي لدولة فلسطينية على هذا الفائض. ثانياً: أفرز هذا الوضع الخانق جموداً أتاح لحكومة اسرائيل أن تبني وتتوسع وترسم ما تريد، الأمر الذي خلق وضعاً لا بد من اختراقه بتطور دراماتيكي يغيرالحسابات ويزيل خريطة الجمود، وتأتي مبادرة الإمارات في هذا الإطار، فلعب الشيخ محمد بن زايد – ولي عهد أبوظبي – دور الكوماندوس المبادر في اقتحام خط النار الأول، ونعترف بأنه حرك مياهاً راكدة تحتها متفجرات من كل نوع، لم يجد في الفضاء الفلسطيني والعربي من يتطوع لاقتحام طريق المفرقعات الجارحة والمؤذية، الذي استغلته اسرائيل لفرض الواقعية الجغرافية التي تؤدي إلى انكماش مساحة الممكن. ثالثاً: لا ننكر أن الوضع المستجد فتح باب الأمل الضيق للصادمين الفلسطينيين باحتمالات الدولة الفلسطينية على جزء مهم من الضفة، تحددها المفاوضات بين الطرفين بعد تعهد اسرائيلي بوقف الضم، ومهما قيل تنديداً وانتقاداً وتسلطاً على خطوة الإمارات، فلا جدال بأن السكة التي كانت مغلقة بدت منفتحة، إلى حد ما نحو امكانية اتفاق بين الفلسطينيين واسرائيل، إذا قررت المنظمة الاستفادة من هذا الممر الضيق.. هنا يأتي دور الإمارات في المواظبة بالتواجد لتأكيد استمرارية وقف الضم مع تأمين مرونة ايجابية من الجانب الاسرائيلي.. هناك إجماع عالمي على سلام مؤسسي لحل المشكلة عبر دولة فلسطينية في الضفة وغزة، بجانب اسرائيل، دون ذلك لن يتحقق السلام وسيتلاشى وهج المبادرة الإماراتية.. رابعاً: نقلاً عن «سي إن إن»، في مقابلة أجرتها مع د. أنور القرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، بأن تحرك الإمارات كان مطلوباً لإنقاذ حل الدولتين وشراء الوقت لاستئناف التفاوض بين تل أبيب والفلسطينيين، ويضيف كانت قضية الضم بمنزلة قنبلة موقوتة تستدعي قلق الجميع، لذلك قمنا بإزالتها واشترينا الوقت، كما يضيف لن أقول بأن هذا الأمر سيدوم إلى الأبد لكنه يمنحنا الوقت حقاً، وبخلاف ذلك سيكون حل الدولتين ميتاً، هناك جانب إيجابي في المبادرة في تطوع الشيخ محمد لتوفير فرصة للمفاوضات، لكن الخوف أن توازن المفاوضات بهذا المحور المقترح سيضطرب، ما لم يتوافر سند إماراتي عربي ودولي للجانب الفلسطيني لن تنجح المفاوضات، والخطورة ستأتي من هذا الاحتمال الذي سيدخل المنظمة في انشقاقات عربية، وتباعدات مع انحسار للقضية الفلسطينية سيدفع نحو اليأس، عندها سيكون اللوم كبيراً على الكل، وبالذات على الجانب الفلسطيني، إذا ما استمر في الموقف الذي صدر من بيانات المنظمة.. خامساً: سيتولد عالم عربي آخر، سيزيد التباعد داخل مجلس التعاون، وسيجد الخطاب السياسي الإيراني حقلاً يعبث به، مع تمحورات عربية، بعضها مع المبادرة وبعضها يدينها، وآخر يراقب منتظراً، بينما يعلن كوشنير، مستشار الرئيس ترامب، وصهره، أن المناقشات جارية بالفعل في شأن مراسم توقيع اتفاق السلام في البيت الأبيض، بما يوحي بضرورة اتخاذ القرار الذي يحقق لشعب فلسطين دولة فلسطينية، مهما كان حجمها بهوية موقع جغرافي وشخصية اعتبارية تحمل جواز سفر لدولة معترف بها دولياً، فإذا تلاشت الفرص فسيكون الزمن القادم كله بيانات وتنديدات وخشونة مواقف، لهذا من المهم أن تتحمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو أي بلد عربي ثقل الاستيضاح من اسرائيل عن طبيعة التجميد ومداه وتفاصيله.. كنا في الأمم المتحدة نرحب بجزر في الكاريبي لا تملك إلا أهلية السياحة، ونثني على حجم مساهمتها في الأمن والاستقرار العالمي.. شعب فلسطين يمتلك التأهيل بمهاراته وحيوية شعبه وثراء ثقافته.. سادساً: نستطيع قراءة خريطة دبلوماسية مجلس التعاون المستقبلية، رغم تباعد الاجتهادات، فتحرك الإمارات ولّد تقاسيم جديدة في شكل منطقة الخليج، أبرزها التفاهمات الجماعية بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون انفرادياً أو جماعياً، المتميزة في تعاونها الأمني وتلاقي الاستراتيجيات حول القضايا الاقليمية والدولية مع كثافة الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا، وتنظيم هذه العلاقات بطابع مؤسسي ثابت، واتساع علاقات خليجية مصرية وأردنية، وانشغال شمال أفريقيا بأولوياتها التنموية.. وانكماش في أداء الجامعة العربية مع الأولويات للملفات الوطنية، وتلاشي الامكانيات لتوافق عربي مستقبلي.. في هذا الوضع الكئيب من الأفضل لقيادة المنظمة الاستفسار من الإمارات عن طبيعة التجميد وعن كل ما لديها من مخاوف، بدلاً من التنديد في موقف الإمارات وضخ الإعلام المغيث، فلا يوجد أي ضرر من دراسة الممكن، فالواقعية على الأرض تعطل المبادرة العربية أو العودة إلى حدود 1967، ونقدر واقع أبومازن الذي يقف الآن أمام فرصة قد تأتي بالحلم الفلسطيني في دولة أو يرميها مواصلاً سيره في درب المطالبة السقفية التي أضاعت فرصاً لدولة أكبر من احتمالات اليوم.. ربما من المفيد التذكير بأن المبادرات تتبدل والاتفاقيات تتآكل، وبعد أربع سنين من اتفاقية فرساي، تخلى عنها الموقعون، لأن توازن القوى قضى عليها، وبرز النهج البراغماتي الذي هو أساس اتفاقية الصلح المصري-الاسرائيلي والأردني، وهو جوهر النظام السياسي في أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.. سيحكم المستقبل على مبادرة الإمارات وفق التعامل معها من الجانب الاسرائيلي ومن الجانب الفلسطيني، ومن خلال مواقف أوروبا وأميركا والدول العربية التي لها علاقات مع اسرائيل.. يسمع أبومازن صوت العالم بمن فيه العرب القريبون والعرب المناصرون، ناصحاً بخطوة فيها أمل لمصير أفضل، لأن الرفض سينقل القضية إلى عالم غير معروف لا في ثماره ولا في أضراره.. ولنا عودة..

نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة