.
.
.
.

عقد انتخابات برلمانية لبنانية جديدة ليس كافيًا

محمد بدر الدين زايد

نشر في: آخر تحديث:

تتواصل تعقيدات وتداعيات الأزمة فى لبنان، وقد توترت الساحة مؤخرا قبيل إعلان قرارات المحكمة الدولية بشأن اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريرى، كما اهتمت الأوساط السياسية والإعلامية العربية واللبنانية بطرح البطريرك المارونى بشارة الراعى- وهو بالمناسبة صديق عزيز وبارز لمصر ولكثير من أبنائها- بأن الخروج من الأزمة الراهنة يكون بعقد انتخابات برلمانية جديدة، وقد جاء ذلك فى عظته الأخيرة. وربما نبدأ من مسألة المحكمة الدولية التى كان البعض قد ربط بين الحكم الذى كان على وشك الصدور وتفجير مرفأ بيروت الذى هز البلاد. وحتى الآن لا توجد أدلة على وجود أى صلة بين الأمرين. فى جميع الأحوال المهم الآن أن الحكم والمحاكمة التى استغرقت سنوات وسببت الكثير من التصعيد والتوتر داخل الساحة اللبنانية الهشة قد صدر لينفى وجود صلة مؤكدة بين حزب الله وسوريا وبين اغتيال الحريرى، كما برأت عددا آخر من المتهمين، وأكدت الاتهامات لأحد المتهمين الرئيسيين المنتمين لحزب الله، وأكدت المحكمة بشكل قاطع مدى احترافها عندما أدانت عنصر حزب الله بتدبير الاغتيال، ولكنها مع ذلك لم تقبل بربط الجريمة الإرهابية بالحزب لعدم كفاية الأدلة، ورغم أن الحزب قد رفض المحاكمة منذ البداية، فإن ما حدث الآن يعود بنا إلى نفس المربع السابق، إدانة منطقية وضمنية لحزب الله ولكن لا تكفى لإدانة رسمية، والتى كانت لو صدرت لتعقدت الأمور كثيرا، بل الحقيقة أن الحكم بهذا الشكل يمثل فرصا من ناحية ومصدر تحديات من ناحية أخرى، أما الفرص فهى أن عدم إدانة الحزب والنظام السورى يسمح باحتمال عمل ترتيبات سياسية داخلية خاصة مع أقوى الزعامات السنية حتى الآن أى سعد الحريرى، أما التحدى فهو لو صمم حزب الله على عدم تسليم أو الإخفاء الصريح لعياش بحجة الإصرار على رفض المحاكمة ما يعنى تقويض أى تعامل مستقبلى مع الحريرى، أى أن الفرص ستتوقف على مدى حكمة الحزب فى المستقبل القريب، وهى حكمة متراجعة فى السنوات الأخيرة وتضعه تحت المجهر طوال الوقت.

ونعود لدعوة البطريرك الراعى والتى عكست حجم القلق والمخاوف التى تغمر مشاعر الرجل، وقد لمست ذلك شخصيا وفى أكثر من مناسبة، وهو قلق مشروع ومفهوم، على أن المشكلة أن هذا الاقتراح لن يخرج لبنان من الأزمة، وعلينا أن نعود إلى الانتخابات السابقة والتى أسفرت عن بعض التعديلات فى مراكز القوى الطائفية لصالح التيارات المتحالفة مع حزب الله معطية لها الأغلبية النسبية مقارنة بالوضع السابق على هذه الانتخابات، وكلتا النتيجتين لم تحقق الاستقرار ولا الخروج من استحكام أزمة النظام الطائفى، وكلا الوضعين لا يعكسان حالة الغليان والاضطراب فى الشارع اللبنانى، فقد سبقت الانتخابات البرلمانية صعود حركة رافضة للطائفية، ولكن جاءت نتيجة الانتخابات لتعكس وزنا انتخابيا ضعيفا لهذه التيارات. وكما هو معروف تشكلت الحكومة برئاسة السيد سعد الحريرى بديناميات وترتيبات السياسة اللبنانية التقليدية، ثم أدت تداعيات الأزمة الاقتصادية وعودة ضغوط الشارع اللبنانى إلى استقالة الحريرى، وما تلا ذلك من تطورات من محاولة تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة رغم أن رئيسها فى الحقيقة أى حسان دياب معروف ترابطاته مع معسكر حزب الله- التيار الوطنى الحر العونى، وإن كان بشكل غير تنظيمى، وجاء تفجير مرفأ بيروت ليطيح به ولتدخل الساحة اللبنانية فى تصعيد جديد وشلل فى الجهاز التنفيذى للدولة، وعودة الساحة للمطالب الشعبية بإسقاط كل الطبقة السياسية الطائفية، والتى حاول البطريرك أن يتجاوب مع ضغوطها بالدعوة إلى الانتخابات البرلمانية الجديدة، التى لو حدثت فستشكل صدمة شديدة للشارع اللبنانى بإعادة إنتاج نفس المنظومة، والغريب فى الأمر أن التيارات الثورية اللبنانية رغم أن لديها الكثير من الأصرار مازالت لا تدرك أنها لم تبلور بعد رؤية متماسكة ومنطقية أو خارطة طريق قابلة للتحقق، وأن الاصطفاف الطائفى لا يحدث فقط فى الانتخابات، وإنما أيضا كلما تم التركيز ضد قيادة أو موقع سياسى معين وأن تغلغل الطائفية فى المجتمع عميق ومعقد.

ومع كل ذلك لدىّ الكثير من التفهم والتعاطف مع مطالب الشارع اللبنانى، ولكنى أؤكد على أن معايشتى للواقع اللبنانى المعقد جعلتنى ولا أزال لا أرى مخرجا لتطوير وتعديل هذا النظام إلا من داخله ذاته، وذلك بتبنى عدد من القيادات الطائفية ذاتها مشروع التغيير وبصدق وليس من باب المسايرة، وهنا فقط أعتقد أن التغيير ممكن بشرط أن يكون كذلك تدريجيًا

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة