.
.
.
.

لماذا اغتال عناصر من «حزب الله» رفيق الحريري؟ (1)

مصطفى علوش

نشر في: آخر تحديث:

بعد إسدال الستار على المحكمة الخاصة بلبنان، وبالرغم من اللغط القائم على معنى الحكم، إن كان قد طال عنصراً قيادياً في «حزب الله»، ولم تتمكن المحكمة من إدانة أو تجريم أي من المشاركين المذكورين في لائحة الاتهام، ولا بإخراج دائرة التهم والتجريم إلى من خطط وأمر وموّل هذه الجريمة. ولكن ما فات الناس بشكل عام، هو معنى أن يكون عنصر من الحزب مداناً بالجريمة، ولم يتبرأ منه حزبه، ولا سلّمه للسلطات. لكن بالنسبة لي، ومنذ بدايات البحث عن الحقيقة، أي أيام كان الاتهام موجّهاً للنظام السوري دون غيره، كنت أعتبر أنّ جريمة بهذا الحجم لا يمكن أن تحصل من دون معرفة مخابرات «حزب الله». لكن بعد حرب 2006، أصبحت موقناً أنّ «حزب الله» لا بدّ متورط بهذه الجريمة، لأسباب رأيتها أنا واضحة في السياسة وفي دراستي لعقلية الحركات ذات الطابع العقائدي الثوري، وكيفية استهوانها الحلول العنيفة للقضايا الشائكة.

منذ بضع سنوات، التقيت شاباً كان عمره ستة عشر عاماً، يشبه كل اليافعين في عمره، على الرغم من هدوئه ووجود ابتسامة يشوبها الحزن على وجهه. كان على والده أن يعرّفني به. إنّه حسام، فتذكّرت ذاك الطفل الذي حمله جدّه وسار به فخوراً فرحاً في وسط بيروت، شارحاً له ما تحقق من بناء وإنماء، بعد أن رفع عنها كاهل حرب مجنونة استمرت لعقد ونصف، مردّداً في صوت كالصدى «تذكر يا حسام أنّ الحرب شرّ مطلق، أنا أكره الحرب».

لم يكن رفيق الحريري يعلم يوم أتى إلى عالم الشأن العام في لبنان، أنّ اله الحرب «مارس» بدأ بترصده وأخذ يتحيّن الفرص ويخطّط ويرسم، في وكر من الأوكار المظلمة، ليقتل عدوه الساعي إلى إنهاء دوره المبني على اليأس والحرب والفوضى، من خلال الأمل والسلام والاستقرار.

لست أدري لماذا استهتر رفيق الحريري بقدرات عدو، هل كان ذاك الميل إلى الإيمان بالقدرية والتسليم؟

هل كان ذاك التفاؤل الأسطوري الذي امتاز به بين الجميع؟

هل كانت تلك الثقة بأنّ الرعاية الإلهية تحميه؟

هل كان كل ذلك أم أنّه كان يظن أنّ «مارس» سيحن قلبه ويلقي سلاحه رأفة بالبشر، بعد أن رأى البنيان يرتفع والأمل يتوسع؟

أم أنّه فعلاً أساء التقدير في عدوه، عندما ظنّ أنّه ببضع كلمات أقنعه بأن يكون صديقاً له؟

أم أنّه كان يعلم بأنّه سائر لا محالة إلى حتفه، لكنه كان كسقراط يوم تجرّع السمّ ليصبح شهيد رسالته؟

ليعذرني من قد تخدشه عبارتي، فرفيق الحريري لم يكن «دقيقاً» عندما قال «ما حدا أكبر من بلده»، فهو بالذات كان يعلم علم اليقين، أنّ المهام التي كان يحملها على كتفيه المثقلين أكبر بكثير من بلده، ولكنه كان يعلم أنّ مصير بلده الصغير مرتبط بنجاح مهماته العابرة للحدود والقارات، فتحمّل الوزر من أجل بلده، وبالتأكيد ليثبت أنّ ابن صيدا الآتي من الغيب قادر على فعل ما كان مستحيلاً أمام حجم المأساة. وهو كان يعلم أنّ «مارس» يعتبر نفسه، وعن حق وقناعة، بأنّه أكبر بكثير من بلده، وأنّه جزء من مشروع أممي، ومع ذلك، فقد ظنّ رفيق الحريري أنّه قادر على إقناعه بالتضحية بمشاريع الموت والدمار النابعة من أسطورة، رأفة ورحمة ببلده الصغير المثقل بجراحه...

كان ذلك المسعى يشبه محاولة إقناع النار بالرأفة بجذوع الشجر، أو إقناع السيف بمداعبة الرقاب بدل قطعها، أو إقناع الحيوان اللاحم بأن يرعى العشب إلى جانب المواشي بدل افتراسها، أو يقنع تمساح النيل العملاق بأن يترك القطعان المرتعبة على ضفة النهر لتمرّ بأمان، ولوّ مرة واحدة!

* نقلا عن "الجمهورية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة