.
.
.
.

الخيار المتبقي للفلسطينيين

نبيل عمرو

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1976 قررت الحكومة الإسرائيلية القيام بجراحة سياسية تنطوي على قدر من المجازفة، حين سمحت وشجعت على إجراء انتخابات محلية؛ مراهنة على أن تفرز قيادات بديلة تحد من نفوذ منظمة التحرير وتشوش على شرعية تمثيلها الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه.
في ذلك الوقت ظهرت مواقف متعارضة من مبدأ إقامة انتخابات في ظل الاحتلال، إلا إن الواقعية السياسية التي كانت قد فرضت نفسها على القيادة الفلسطينية آنذاك؛ وعلى رأسها البراغماتي ياسر عرفات، رجحت خيار القبول بالانتخابات في رهان على أنها لن تفرز إلا ما يريده الشعب الفلسطيني ومن يختاره لإدارة بلدياته ومجالسه القروية ودعم صموده على الأرض.
تمت الانتخابات، وفشل الرهان الإسرائيلي، وفاز الرهان الوطني الفلسطيني، وتحولت البلديات والمجالس القروية المنتخبة إلى ذراع قوية وذات مصداقية لمنظمة التحرير، ما حدا بالإسرائيليين إلى محاربة المنتخبين ووضع تشريعات تمنع رؤساء المجالس المحلية والأعضاء من إقامة صلات مع منظمة التحرير أو المشاركة؛ ولو الرمزية، في مجالسها الوطنية.
كانت انتخابات المجالس المحلية في عام 1976 وما أفرزته من نتائج متراكمة بمثابة الرافعة القوية للمقاومة التي عبرت عن نفسها بالانتفاضة الأولى التي قادتها بكفاءة واقتدار لجان التوجيه الوطني، والتي أنتجت في نهاية المطاف «تسوية أوسلو» التي بدأت بحكم ذاتي غير مقطوع الصلة بالهدف الوطني الأساسي، الذي هو إقامة الدولة الفلسطينية على جميع الأراضي المحتلة في عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، من دون أن تغيب عن الأجندة القضايا الأساسية التي سميت «قضايا الوضع الدائم»؛ وأهمها «اللاجئون» و«القدس».
انهارت «أوسلو» ووقعت على رؤوس صانعيها من كلا الجانبين، فتبخر حزب العمل مؤسس الدولة وصانع المجازفة، وانهار مشروع الدولة الفلسطينية الذي كان من المفترض أن يتحقق بعد 5 سنوات سميت «الفترة الانتقالية»، وحل محل وعود «أوسلو» وآمالها تدهور شامل للعلاقة الفلسطينية - الإسرائيلية، وتدهور فادح في واقع الحياة الفلسطينية في الضفة وغزة، واختزال الحل في مبادرة ترمب التي لا يرى فيها الفلسطينيون ولو النزر اليسير من حقوقهم.
بعد كل موقعة كارثية يواجه الطبقة السياسية الفلسطينية التي لا تزال تتكون من فصائل كانت ثورية ومسلحة ومقاتلة؛ سؤال: ما العمل وما الخيارات؟
الإجابة غالباً تتكون من سرد لشعارات نمطية عديمة الصلة بمعادلات الواقع الذي تغير كلياً عمّا كان عليه أيام ازدهار المنظمة وقيادتها الكفاح المسلح القوي والنشط داخل وخارج الأرض المحتلة.
وإضافة للشعارات المتكررة، تطرح آليات عمل قليلة الجدوى، كتشكيل لجان للبحث في سبل التصدي للتحديات، والدعوة إلى مهرجانات لإعلان الرفض والإدانة، ثم الدعوة المتكررة لإنهاء الانقسام من دون بلورة ولو خطوة واحدة تبعث الأمل في نجاح يمكن أن يتحقق بعد 14 سنة من فشل ليس فقط في عدم إنهائه؛ بل في منع تحوله إلى انفصال.
صيغة المهرجانات والحوارات والاجتماعات، وآخرها لقاء الأمناء العامين بواسطة تقنية الـ«zoom»، في مواجهة تحدٍ طرفه الولايات المتحدة وإسرائيل وسعيهما الحثيث لتوسيع دائرة التطبيع مع العرب، لن تغير من بؤس الوضع الراهن شيئاً يذكر... وفق التجربة؛ فلا يتوقع أكثر من بيان كان مثله قد صدر مرات عدة من دون أي مفعول يذكر.
الخيار الوحيد الذي يجري تجاهله بفعل ما يعدّه كثيرون خطراً على الصيغة الجامدة التي لا يزال لها سدنتها والمنافحون عن بقائها رغم عجزها؛ هو: جمع الأوراق الفلسطينية المبعثرة داخلياً وخارجياً، وذلك لن يتم بمجرد اجتماع للأمناء العامين، ولا بمشاركة رمزية لـ«حماس» في مهرجان أو مظاهرة؛ وإنما يتم وفق برنامج أوله وأساسه استعادة المؤسسات الوطنية التي أهمل بعضها وألغي البعض الآخر على صعيد السلطة ومنظمة التحرير، فالسلطة فقدت مجلسها التشريعي، ومنظمة التحرير فقدت دورها المفترض أن يكون أقوى وأفعل من دور السلطة في إدارة الشأن الفلسطيني على كل المستويات، ولقد نسي المتابعون حقيقة مهمة هي أن المنظمة أكثر شرعية من السلطة وأوسع صلاحيات في أمر القضية السياسية... ذلك وغيره لن يستعاد بتوافق أمناء عامين يجتمعون عبر «سكايب» أو «زووم» مع أنهم ذاتهم يقرون بفراغ فصائلهم وعريها من أي عمق شعبي، باستثناء «فتح» و«حماس» اللتين تشكلان قطبي الحياة السياسية الفلسطينية؛ لأنهما تياران وليسا فصيلين.
المؤسسات الوطنية تستعاد بانتخابات عامة تشريعية ورئاسية، ويتولى المنتخبون ممن تجدد شرعيتهم عبر صندوق الاقتراع معالجة المسائل الداخلية والسياسية كافة، فهم سيشكلون النواة الحيوية لتطوير منظمة التحرير انطلاقاً من أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين أعضاء تلقائيون في المجلس الوطني، بذلك تتحقق الخطوة الأساسية نحو تطوير المؤسستين الرئيسيتين وتفعيل حضورهما وتأثيرهما في الحياة الفلسطينية حاضنة المشروع الوطني.
الخيار الذي أتحدث عنه ليس حلاً سحرياً يوفر خروجاً تلقائياً من المأزق المركب الذي يعيشه الفلسطينيون، بقدر ما هو الوحيد المتاح في زمن الإغلاق الشامل، وإسرائيل التي لا تريد رؤية أي نهوض فلسطيني لا بد من أن تعمل على إعاقة عملية أساسية وكبرى كهذه، إلا إنها لن تستطيع إلغاءها إذا ما صمم الفلسطينيون على المضي قدماً فيها، والأهم من ذلك إذا ما تعامل الفلسطينيون مع الانتخابات العامة على أنها آلية تحدٍ للاحتلال وليست موضوع توافق معه، مثلما كان الأمر عليه في زمن شهر عسل أوسلو الذي انقضى إلى غير رجعة.
هذا هو الخيار المتبقي للفلسطينيين؛ وملخصه أخيراً الانصراف إلى معالجة أوضاعهم الداخلية عبر إحياء مؤسساتهم الوطنية المنتخبة، أما الشأن السياسي التفاوضي فقد أسدل الستار عليه ولا فائدة من انتظار معجزة قد تحدث لإعادته إلى العمل، وحتى لو عاد بفعل تطور ما؛ فلا يضر الفلسطينيين لو ذهبوا إليه وهم بحال داخلية ونظام سياسي أفضل.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة