.
.
.
.

الخلافة العثمانية بين أوهام الآغا ووحدة الصف العربي

وليد عبد الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

مثلما عانت الدول العربية والإسلامية من أزمات افتعلها النظام الإيراني الذى مارس جل أنواع الإرهاب في مختلف الدول العربية والإسلامية من خلال أذنابه ، فإن الدول العربية تعانى الآن أطماع المحتل العثماني من خلال استحضار الماضى و استدعاء التراث الأسود للدولة العثمانية القديمة التى مارست شتى أنواع القتل والتشريد والاغتصاب وسرقة و نهب ثروات الشعوب العربية إبان الغزو العثماني على مصر والعرب في القرن السادس عشر حتى تلاشى في القرن التاسع عشر .

الرئيس التركي شرع فى محاولة بائسة من أجل إعادة إنتاج الغزو العثماني السابق ولكن بشكل جديد و آليات مختلف حيث كانت فرصته الذهبية في العام 2011 بعد الثورات والقلاقل التى شهدتها بعض الدول العربية والتى حاول من خلالها التوغل في الدول العربية و التغلغل فى الشئون الداخلية لتلك الدول من بوابة هذا الانفلات الأمنى و الحراك السياسي غير المسبوق الذى شهده العالم العربي وعانى منه ومن آثاره لسنوات .

ولم يفطن الرئيس التركي ونظامه إلى أن التاريخ لا يكذب ولم و لن يمحى من ذاكرة الأمة العربية التى عانت على مدى ثلاثة قرون من الغزو العثماني وآثاره نتيجة الممارسات الإجرامية والعزلة التى فرضها هذا الغزو على العرب و اقصائهم عن المضي قدما و السير على دروب التقدم العالمي حيث كانت الريادة و التميز دائما للعرب عن نظرائهم في العالم أجمع في كافة مناحي الحياة سواء الاقتصادية، الاجتماعية، العلمية والصناعية .

قام الغزو العثماني بنقل الصناع المهرة من مصر تحديدا إلى مقر الخلافة العثمانية في إسطنبول وتلك هى اولى الجرائم العثمانية التى أدت إلى إنهيار وتدمير الصناعات المصرية التقليدية وتراجعها بشدة لصالح ازدهار الصناعة في تركيا ، وهو ما حدث في ملف التعليم الذى بذل الغزو العثماني جل جهده من أجل العمل على تحجيم و تقليص مفهوم العلم و التعليم و بالتالى العلماء لدفع الدولة إلى التخلف العلمي آنذاك.

وهو ما يحاول تنفيذه حاليا الرئيس التركي في الدول العربية وبخاصة ليبيا التى يسعى من خلالها إلى ترميم الليرة التركية ودعم الإقتصاد التركي المتضرر من ممارسات نظام الحكم التركي العدواني ، الذى سعى من قبل إلى إختراق الدول العربية من خلال السيطرة على الصناعة والتجارة فيها مثلما فعل من قبل وقت حكم جماعة الأخوان الإرهابية لمصر في العام 2012 وحاول توقيع اتفاقيات في كافة المجالات مع نظام الأخوان حينها والذى يرثيه الرئيس التركي حتى الآن في كافة المناسبات لأن زواله أضاع على الأتراك فرصة ذهبية للسيطرة على ثروات مصر واستغلالها لتكون بوابة نهضة الصناعة التركية وتجارتها لأن وجود سوق مثل مصر يضم أكثر من 100 مليون نسمة يستوعب المنتجات التركية يدفع بما لا يدع مجالا للشك إلى ازدهار الصناعات التركية والاقتصاد التركي بالتبعية على حساب الاقتصاد المصرى .

ولا يتعجب أى قارئ جيد للتاريخ من الممارسات العنيفة للأتراك في ليبيا وسعيهم إلى تفتيت الدولة الليبية وتقسيمها والسيطرة على ثرواتها و مكتسباتها و مقدرات شعبها من خلال بوابة المرتزقة والسلاح التركي الأعمي الذى يضرب الليبيين بعضهم ببعض ، فذات المنهج الدموي تبنته الدولة العثمانية أثناء الغزو العثماني الدموي الذى انتهج العنف للسيطرة على الدول العربية ولكنها قاومته حتى الزوال، وهو ما فعله سابقا الغزو العثماني في مصر حيث يشهد التاريخ أن العثمانيين قتلوا عشرة آلاف مصري في يوم واحد.

ولعل أبرز جرائم الدولة العثمانية عبر التاريخ هى جريمتهم في حق الأرمن التى تعد الشاهد الأكبر على دموية هذا الكيان والذى ارتكب جرائم إبادة وتهجير بحق ملايين منهم وقام بالقائهم في الصحراء ، فكان الغازي العثماني دائما ينتهج مناهج العنف والدموية والتخريب والدمار للدول والشعوب .

ومثلما انتهج الغزو العثماني على مر التاريخ منهج النهب والسرق و الاستيلاء على مقدرات الشعوب والدول جاء النظام التركي ليستولى على الثروات الليبية والتى كان أبرزها 16 مليار دولار سلبهم من الشعب الليبي بإتفاق مع حكومة فايز السراج قام بتحويلهم إلى تركيا من أجل إنعاش الخزانة التركية التى كانت تعاني منذ سنوات والاقتصاد التركي الذى كان في طريقه إلى الانهيار ودعم العملة التركية المتردية جراء الممارسات الإقتصادية الفاشلة ، بالإضافة إلى الإتفاقيات التركية مع السراج على إستغلال ثروات ليبيا من الطاقة في البحر المتوسط الأمر الذى ينعش قطاع الطاقة التركي .

ولا يوجد مجال للتعجب من السياسات التركية لأن الغازي العثماني كان دائما يضع نصب عينيه عدة أهداف عدوانية أهمها هدفان أساسيان ، أولهما تفتيت الدول و إضعافها و إفشالها حتى تظل تحت سيطرتها ولا تنفصل عنها ، والثاني جمع أكبر قدر من الأموال واستغلال ثروات الشعوب التى تقبع تحت حكمهم.

ودائما ما إرتدى الغزو العثماني عباءة الدين و استخدمه كأداة لتسهيل المهمة ، و لا نستطيع أن نفتش فى النوايا و لا نملك حق الحساب و لكن المشهد كان واضحا للعيان حيث كان جنودهم يشربون الخمر في الشوارع والأسواق و يجاهرون بالإفطار في شهر رمضان ولا يصلون في المساجد إلا من رحم ربى ، وهى أمور كلها تؤكد ازدواجية الفكر و استغلال الدين .

يا سادة السعي التركي لإستعادة التاريخ القديم لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة العثمانية البائدة لا يجب أن يكون على حساب الدول العربية خاصة بعد فشله في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولفظه من جانب المجتمع الأوروبي الذى فطن لما يرنو إليه الغازي العثماني الجديد من خلال دعمه للإرهاب ومحاولاته فرض أجندة متخلفة مقيتة تسعى إلى الهدم و التدمير و لإفشال وليس البناء و التقدم و الإزدهار .

إن إجهاض محاولات الغازي العثماني الجديد و مقاومة المنهج الدموي و الفكر المتخلف هى مهمة الدول العربية مجتمعة وليس فقط الدول التى تتعرض لتلك الانتهاكات السافرة و الواقع المفروض و المرفوض ، و حتى لا تمتد أذرع ذلك الأخطبوط البائس اليائس الى الداخل العربى لا بد من البتر و اتخاذ خطوات استباقية بعيدا عن سياسة رد الفعل .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.