.
.
.
.

الزمان الجميل

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

عشت أزمنة كثيرة كان الجميل فيها كل ما مضى، أو هكذا كنت أسمع من الرفاق والأصدقاء وكبار العائلة بالطبع. فى البداية وأثناء الفترة الناصرية بدا الزمن الملكى مبهرًا بأفلامه وقصصه وقصوره وما يروى عن أسرة محمد على، وبالطبع كانت العشرون بيضة بقرش واحد، وفى عمر أفندى وصيدناوى كانت توجد آخر الصيحات العالمية. لم ينقطع ذلك بالطبع فيما بعد، ولكنك تحتاج الأستاذ عباس الطرابيلى حتى تتمنى أن تأخذك عجلة الزمن لكى تذهب إلى هذا العهد السعيد. فى الفترة الساداتية ظهر أن الزمن الجميل حقا هو ما كان ناصريا، فهو عهد العزة والكرامة، وكيف أن العالم كله كان يرتج كلما تحدث الزعيم، وقبل كل شىء وبعده فلم يكن كيلو اللحم يتعدى جنيها فى أكثر التقديرات. جاء وقت مبارك ومن بعده جاءت أوقات أخرى، ومازال حتى الآن من يضع كل الأوقات السابقة فى حزمة واحدة توضع تحت لافتة زمن جميل كان فيه الناس بأخلاق طيبة، ولديهم الكثير من الولاء والدعة وحب الوطن بالطبع. وبالنسبة لجماعة منا فإنها العهد العظيم للصحافة الورقية قبل أن يجور عليها أزمان جديدة تذهب عنها رائحة الورق والأحبار التى تعطى المعنى والنشوة لما جاء فيها من كلمات. وبالنسبة لجماعات أخرى كانت هناك خلطات من الأزمنة الجميلة، فعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وطوائف من «الكنوز» التى عددها مؤخرا الأستاذ فاروق جويدة فى عموده المرموق. فى معظم الأحوال وحتى دون ذكر فإن المقصود ليس دوما مدح ما فات بقدر ما هو إدانة ما هو قائم، أو أنه فى أفضل الأحوال يعكس نوعا من الغربة الثقافية بالنسبة لكثير من المثقفين والكتاب والشعراء. العالم الحالى ليس عالمهم بالضرورة، ولكن لغته وأدواته وتقاليده ليست مما يرطب الخاطر أو يسر الفؤاد.

هناك شىء ما خطأ فى هذه النزعة الماضوية والواضح فيها أن هناك قراءة غير صحيحة للعصر الحالى، فربما تكون الصحف الورقية قد تراجعت، ولكن «الصحافة» لم تتراجع، بل إنها باتت أكثر انتشارا وعنفوانا حتى بالنسبة للمتمسكين بالأزمنة القديمة الجميلة. أصبح «استقصاء الحقيقة» يجرى الآن بالصوت والصورة والكلمة والمزج ما بين فنون كثر. ولا أظن أن زمنا جميلا مضى استمع إلى ليلى مراد أو شاهد نعيمة عاكف وسامية جمال واستمع إلى عبدالوهاب وشاهد فؤاد المهندس أو نجيب الريحانى كما هو حادث الآن. لعل أهم ما فى عصرنا الآن أن القياس ممكن لكل شىء، وفى الوقت والساعة نعرف عدد القراء وهؤلاء الذين أرسلوها إلى آخرين بعد إضافة تعليقات فيها مدح وقدح، ونكات لطيفة أحيانا. عدو الكاتب فى العصر الحالى أن يجرى تجاهله ولا يحبه أحد ولا يكرهه أحد، وعدوه ليس أبدا أنه ينتج الكتب فهى مثلها مثل الصحف والصحافة فإن الكتب ربما ذهبت ولكن الكتابة والنشر لم يتوقفا أبدا وعلى وسائط متعددة فى نفس الوقت.

الحقيقة ورغم السن فإن عصرنا هذا هو أجمل العصور، ولا أتصور العيش فى زمن لم يعرف السيارة ولا الكمبيوتر، ولا أصدق أن ركوب الجمل من الأمور الممتعة، ولا حتى كيف كانت البيوت الذائعة، وليس قصور الخلفاء والولاة، فى كل ما يتعلق بالراحة الشخصية. فى الزمن الملكى الجميل كان العمر المتوقع عند الميلاد لا يتجاوز ٤٧ عاما (الآن ٧٣ وليس مستبعدا الآن أن يتعدى عمر الإنسان التسعين إذا ما مارس الرياضة واقتصد فى الطعام). ولكن القضية ليست التكنولوجيا وحدها ولا الأنظمة الحديثة فى الصحة والتعليم والخدمات العامة، وبالتأكيد فإن الأسواق الحالية أكثر بهاء من الأسواق القديمة. ولكن الجمال من عدمه ليس فقط به علاقة بأشكال الاستهلاك، ولكنه مرتبط بالصحة للمرأة والرجل أيضا، وكلاهما، على أى الأحوال، تعدى حاجز البعاد لأنهم جميعا على الشبكة العنكبوتية بدرجة أو أخرى. نادرا فى كل الأزمنة الجميلة ما نجد المرأة العادية، ربما هدى شعراوى أو مى زيادة أو أم كلثوم، ولكن المرأة فى حياتنا ليست المشاهير وإنما الأم والزوجة والحبيبة الأكثر تعليما، وثقافة، ومعرفة بأمور الحياة الكثيرة، وكل ذلك له تابعون ومشاركون. هذا عصر للشجاعة وليس الاختباء وراء البرقع. الزمن الجميل الحالى فتح لنا أبواب الفضاء وما وراء الكرة الأرضية، وعندما لف جاجارين حول الكرة الأرضية خلب ألبابنا فى زمن سابق، ولكن زمننا هذا شهد وجود محطة مأهولة فى الفضاء الخارجى، فيها من كل الأجناس والأقوام، وعن قريب سوف تكون نقطة اللقاء والحمولات الذاهبة لبناء أول محطة كونية على سطح القمر.

نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.