فِي هِجاءِ المَنجَنِيقِ والرِمَاحِ المَسمُومَة!

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تنتقي الحجرَ الصلد، تقلبه في يديك، تراه قادراً على تهشيم جمجمة ما، لا تكترثُ أياً كانت الوجهة: رأس أخيك، صدر أبيك، وربما الحضن الذي طالما كان ملاذاً لك من نوائب الدهر وضباعه!

قبضةُ اليدِ التي ترفعها عالياً، معطياً الإشارة للرماةِ: لتكُن السماءُ حمراءَ بشهبٍ لا تنكسرُ، حجارة من سجيل لا تنطفئ، ولتُهدم القلعةُ على من فيها! تواصلُ أوامركَ للجندِ في التقدم نحو السورِ حتى لو كان خلفهُ أهلُكَ الذين لم يسلموكَ للسيارة، لم يضمخوا القميصَ بدمٍ كَذبٍ، لم يسرُقهم بريق الذهب؛ لم يبيعوا دِينهم بدُنيا غيرهم، ومع هذا شِرارُ سهامكَ الملتهِبة، والمنجنيق الفاغرةُ أفواهها كذئابٍ تنقضُ على القلوب، تصوبُ نحو إِخوتك، صَحبكَ، من كانت الضحكاتُ زادكم، وأقراصُ الرغيفِ مبلولةً بالدمعِ والحبِ والدمِ والأماني والدعاءِ والأغاني، تدورُ من يدٍ لأخرى بينكم، تتقاسمونها رغم صِغرها وشحِ ما لديكم من حنطة، إلا أنها كانت كافيةً، تسدُ جوعكم، مباركةً من الرب، الذي يفرحُ لما في القلوب من صدقٍ، فيضاعفُ لمن يشاء، لتكونَ في كل سُنبلةٍ مئةُ حبة.

الليالي التي قضيتموها سوية، ترخون فيها الرقابِ لأكتافٍ متراصة، تقطعت، وكأنها بيتُ العنكبوت!

ألم تكُن القلوبُ على الدروع، والأنوارُ تراتيل وأوراد الصحبِ في المسيرِ الطويل؟

ما الذي تبدلَ يا ذا الرفاق، لتحل اللعناتُ مكان أبياتِ الشِعرِ الشفيف، وتنغرسُ الأنياب المسمومة في الأرواح، وكأن ما كان من راحٍ استحالَ وحلاً يشوبه الكدر والنتن.

نكبرُ وتتفرقُ بنا السبل، إنما لكلِ شيخٍ طريقة، وهنالك كما يقول عبد الكريم سروش "طُرقٌ مستقيمةٌ" وليس ثمة طريقٌ واحدة وحسب إلى منزل أبي يزيد البسطامي، أو جبة الحلاج، أو جبلِ قاف، أو مثنوي الرومي، أو بستان سعدي، أو حِكَمُ ابن عربي، أو صحيفة زين العابدين.

ألم يقلِ المتصوفة "الطُرق إلى الله بعددِ أنفاس الخلائق"، وألم نُبصر في كل نجمةٍ رحمةً وجمالاً، وفي كُلِ عطرٍ شيئا من رِيحِ العامرية، سلبَ لُبَ قيسٍ الذي جابَ المفازات.

لنكُن أكثر تواضعاً، أقلَ رغبة في الخِصام، ولنشكُم تلك الغرائز المندفعة "كجلمودِ صخرٍ حطَهُ السيلُ من عَلِ".

لنكن: الرحمن، الرحيم، الودود، العطوف، الغفار، الجميل، اللطيف.. لنتسربل برداء الرحمانية العظمى، ونتذكر "لو أن زانيةً وهي سكرانة، قالت: يا الله؛ لاستجاب لها الله".

ألمَ يمرَ الحواريونَ على جثةٍ كلبٍ، فقالوا: ما أنتنَ رائحتهُ، ليُجِيبهمُ من أُتيَ الحكمة: ما أشَدَ بياضَ أسنانه.

هكذا يُخبرُنا شيوخُ الطريق، أن نبصرُ النورَ في الخرابات، ونتلمس الوردَ بين شقوق الثيابِ الوسخة، ونلملمَ بذورَ المعرفةِ المتناثرة من ثنايا الأرض التي نعتقدُ لقلةِ بصيرتنا أنها عاقر!

السماء متسعة، والغيث كثيرٌ كثير. ليس الحقُ بشحيحٌ كي يضع مساحة محدودة، حديقة ضيقة، بضعَ كراسيَّ مهترئة لا تصلح لأن يُداعبَ عليها حبيبٌ خصلاتٍ معشوقَتِه.

دائماً ما أشعرُ قلبي فارغاً، كـ"فؤاد أم موسى"، متطلعاً أن يُربط عليه بالحكمةِ والنور، ولذا، يُقذف في روحي كثيرٌ من الوجع، وأنا أتمتمُ: لماذا لا نُحسِنُ الاختلافَ بمناقبيةٍ وأَدب، ولم كل هذا الكمِ من الأحقادِ والشتائمِ والضغائنِ التي تكفي لإبادة البشرية! لا أفهمُ كيفَ تستطيعُ القلوبُ أن تكونَ أوعيةً سوداء، عِوض أن تصبحَ فضاءَ رحمةٍ ومحبة. الأحقادُ لا تورثُ إلا الدم، والدمُ المتناسل، وكأنَنا على موعدٍ مع قيامةٍ من الجماجمِ المتدلية! لستُ الحكيم الذي يحقُ له أن يلقي النصائح، وما ثوبيَّ بالنقي من الأوزار، إنما كما يقالُ: خُذِ الحكمةَ من أفواهِ المجانين؛ وعليه سأتجرأ، لأتلو خطبةً ليست بعصماء ولا فصيحة، أقول فيها بعد الثناءِ على الجمالِ السرمدي الأبدي: علينا أن نكونَ أكثر وعياً، كبحاً لغرائزنا، قبولاً للاختلاف، مؤمنينَ بحقِ كلِ واحدٍ مِنا في الاجتهاد، متشبثينَ بقيمٍ مدنيةٍ تُعلي من شأنِ حرية التعبيرِ وتعدد الآراءِ وقبول وجهات النظرِ المختلفة، بدلاً من الرقصِ على أجسادِ بعضنا البعض.

الرماحُ التي ننصُبها لنشوي عليها قلوبَ مُخالفينا، هي ذاتُها الرماحُ التي سيقتلعُ بها الأخوةُ تالياً أعينَ بعضُهم بعضا! آنَ الأوانُ لنستفيقَ من ثُمالة الدم، ونزيحَ الكأسَ النتنةَ عن الشفاه. ليكن النخبُ محبةً، حكمةً، وبصيرة.. أما قدحُ السُم، فلا تجعلهُ جزءً من المائِدة. لنكُن رحمةً للعالَمِين.

*نقلاً عن "نخيل عراقي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط