.
.
.
.

الاستحياء من ممارسة الإبداع

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

من المعوّقات الفكرية "النقد" المجتمعي للفكرة، وهذا النقد ليس هو النقد الأدبي المعروف الذي ابتُذلت فيه عبارة "النقد البنّاء" ولكنه "العيب" و"اللوم" و"الاستحياء" من ممارسة الإبداع لكون المجتمع لم يألف هذا النوع من الفعل..

لا تجد أحدًا إلا وسمع عن تقنية الإنعاش التي يستخدمها الأطباء لإعادة النبض إلى القلب، وليس ذلك أمرًا مستغربًا ولا ممنوعًا، بل إنه أمر مطلوب أن تنقذ مريضًا بأمل "إمكانية الحياة" غير أنه تعرض لأزمة كادت أن تودي بحياته، وربما تكون الأسباب كثيرة تلك التي تسبب هذا النوع من الأزمات، والذي ينبغي لنا هو التزود بشيء من الثقافة المعرفية الصحية وهي التي يحتاجها كل إنسان باعتباره محبّا للحياة، متمسكا بها.

وإذا أردنا الشروع في التزود من تلك الثقافة برز لنا سبيل آخر أيضًا يحتاج منا أن نكون فيه مثقفين، فالحياة هكذا، بقدر ثقافتك بها تتذوقها وتكون مرتبتك ونجاحك فيها بقدر تلك المعرفة، ولكننا نجد أنفسنا في أزمة "فكرية" تحتاج إلى إنعاش كتلك التي يعملها الأطباء للقلب، ولكن إنعاش الفكر تقنيته ليست في أجهزة حديثة تفي بالغرض، ولكنه يحتاج إلى عقلية تملتك الموهبة لاستفزاز العقول الراكدة وتحريك الأفكار الجامدة، فكم من عقول قد مُلئت أفكارًا وإبداعًا، لكنها في جمود وتقوقع لم تجد السبيل إلى الواقع، وربما كانت الأسباب كثيرة جدّا كما هو الشأن في الأسباب الموجبة لإنعاش القلب، فكذلك هنا أيضًا، ولكن هذه الأسباب لا تخص "الحمية في الطعام" ولا نصيحة لتجنب الانفعالات، وممارسة الرياضة، وغير ذلك، فهي أسباب مجتمعية تتطلب من المجتمع أن يكون كفرد في تعامله مع معيقات الفكر الإبداعي.

ومن المعوقات الفكرية "النقد" المجتمعي للفكرة، وهذا النقد ليس هو النقد الأدبي المعروف الذي ابتذلت فيه عبارة "النقد البناء" ولكنه "العيب" و"اللوم" و"الاستحياء" من ممارسة الإبداع لكون المجتمع لم يألف هذا النوع من الفعل!

ويستمر المفكرون والمبدعون دائرين في فلك الجمود على ما أبدع السابقون، فقط يعرّضونه لشيء من تقنيات العصر الحديث، بينما هناك أفكار موؤودة، وإبداعات مكبوتة تعاني من لحظات ضعف النبض وأفوله في مهده، حتى إذا تعدى وتجاوز صاحب هذا العقل ذروة الإبداع والعطاء تأسف وتحسر على ما اكتنزه عقله من فكر لم يُعط حقه في النشر والمناقشة والظهور!.

ولذلك تجد الفرق واضحًا بين المجتمعات التي أنعشت فكرها مبكرًا وأتاحت للمبدعين السبل للسلوك الآمن في طريق الإبداع وبين تلك المجتمعات التي لم تزل تقيد شبابها ومبدعيها بنمط من الحياة لا يخرج عن «إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون» بينما التنزيل الكريم أكثر وكرر وأعاد ونبه إلى الإنعاش المتواصل للفكر «لعلكم تتفكرون»، «أفلا تتفكرون»، «أفلا تعقلون»، «لعلكم تعقلون».

وما حث القرآن الكريم على ذلك إلا لإنعاش عقول أولئك الجاهليين الذي عكفوا على عبادة الأصنام أعمارًا ودهورًا ولم يحركوا أفكارهم وعقولهم لانتزاعها من باطل الشرك، فجاء القرآن لإنعاشها فانتعشت، وتركوا ذلك الباطل الذي أحاط بهم.

ونحن - ولله الحمد - جئنا على موروث حق ناصع هو الإسلام بيّنًا في طرحه، واضحًا في سلوكياته وفقهه، يحث العقل على التفكر والتدبر والاجتهاد، ولا أعني الجانب الفقهي أو الشرعي فحسب، بل أعني كل الجوانب الاجتماعية والثقافية والمعرفية الإبداعية التي تحتاج إلى إنعاش الفكر، والتميز بإبداع ينسب لصاحبه وينفع مجتمعه، فكثير من الإبداعات والثقافات والسلوكيات الإيجابية جاءت بعد تمحيص وربما "فشل" لمرات وكرات، ولكنها في آخر الأمر تسجل النجاح في المحاولة الأخيرة.

وإذا عدنا إلى ضرورة التزود بالمعرفة والثقافة لا لتكرارها بصورتها وإنما لمعرفة نشأة كل ثقافة ومراحل تطورها لوجدنا أنفسنا نبدع وتتزاحم الأفكار والإبداعات في عقولنا، وهو الأمر الذي يتطلب منا ممارسة الإنعاش الفكري في المجتمع وتشجيع الإبداع، وتصحيح الأخطاء والشوائب والموانع المجتمعية التي كانت ومازالت الحجر العثرة أمام كثير من المبدعين والمفكرين.. هذا، والله من وراء القصد.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.