على صعيد الدولة

قيس قاسم العجرش
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

كان مدرّس الجغرافيا فقير الحال. لا أحد يطلبه للتدريس الخصوصي، وبالتالي ضاقت عليه ذات اليد بينما اتّسعت لزملائه الآخرين من الذين بنوا سُمعة حسنة.

مع هذا المدرّس، تعرّفنا على (الدولة)شكلاً وتوصيفاً. اتذكر أنه شرح شروطاً لوجودها كانت جميعها لا تشبه الواقع. ربما تشبهه، لكنها لا تتطابق معه على الأقل.

وكلّما ذكر صفة ضرب لها مثلاً. النظام الملكي، مثل أسبانيا. والنظام الجمهوري، مثل فرنسا. دولة(داخلية)، مثل أفغانستان. دولة في جزيرة، مثل البحرين، وهكذا. لكن درسه كان مضللاً بكل المقاييس. ولا ذنب للمدرّس رحمه الله، فالدرس عن(الدولة)، لا بد أن يكون ورطة مفاهيمية حقيقية.

قال لنا إن النظام الملكي يعتمد على وراثة الأبناء لعرش الآباء. لكننا وجدنا جمهوريات ملكية، بينما كانت هناك ملكيات بنظامٍ جمهوري(إن كان المعني بالحكم هو الجمهور).

وكيف يصدف ان يحكم في الولايات المتحدة الإبن رئيساً بعد أبيه؟. كلها كانت مثلما قلت؛ أوصافاً مُضللة عن الدولة.

الدولة التي تعايشنا مع وجودها، نحن أبناء القرن العشرين، لم تكن ذات نمط واحد يوحّد معناها. حتى لو تصوّرنا أنها كذلك. الدولة التي تعرّفنا عليها في الواقع، كانت جوفاء، بلا مفاهيم تحمي وجودها، حتى لو تخيّلنا أنها مفعمة بالمفاهيم. إنما كانت هناك"دولة الفاترينا"،دولة نموذج، ترتديه عارضة أزياء بلاستيكية، كانت تمثل الى حد ما التصوّرات المثالية المتبناة بسطحية.

ذلك النموذج، كانت تهيمن على موديلاته، مقياس الدولة الفيستفالية/Westvallian State، التي نشأ نموذجها في وقت ما في أوروبا من القرن الخامس عشر. دولة لها حدود معلومة، ولها سلطة على الأراضي والناس ضمن تلك الحدود. وهذه السلطة تكون متساوية نوعاً ما في كثافة توزيعها. إنها تشبه كثيراً الخطوط الملونة في كتب الجغرافيا التي تفصل أراضي الدول بألوان متباينة، لا علاقة لها بما يحصل(او سبق ان حصل) على تلك البقعة في الواقع.

التقسيم اللوني عادة ما يكون خاضعاً للقوي في لحظة التقسيم. وسيترك القدر له حرية تفسير الألوان على المساحات وفقاً لعظلاته المفتولة في تلك اللحظة.

يتحدث كيسنجر عن نهاية عصر السيادة الويستفالية، وهو نهاية عملية لوجود دولة كتاب الجغرافيا. وذلك مع دخول العالم بشكل كامل تقريباً في عصر(التواصل البيني)، الذي تصادف أنه انطلق بعد حرب تحرير الكويت.

وأصبحت السيادة هي ما تحوزه حكومة تلك الدولة من ضمانات دولية تساعدها على استرداد ما قد يُنهب منها، أرضاً أو موارداً. رغم أن التزام الدول بالحدود الدقيقة لحقبة مابعد الكولونيالية أدخلها في ورطة العنف المستمر(كما يقول حميد دباشي)، إذ أنها تهدر قدراتها العنفية من أجل الأرض التي لم تكن تاريخياً مُحددة لها بهذه الدقة الى اقرب متر!.

وفي المقابل، أعطى الترابط البيني والانترنيت، دفعة قوية للبروز الأثني والقومي. وأصبحت الأثنية(وفي بعض الأحيان الطائفية المتحولة الى أثنية)، هي المحرّك لولادة هوية محورية متمايزة.

والأثنية(مثل القومية) ترتبط بقصص تاريخية، حدثت على بقع معلومة. هذه البقع، لم يقف رسّام الحدود الكولونيالي كثيراً عندها. وهنا نعود الى ورطة دباشي، وهي أن التقسيم ما بعد الكولونيالي ربما يكون قد جعل مكان حدوث تلك الأحداث (خارج)حدود الدولة في ظروف اليوم.

اليوم، في عالم القطب الشرس. تتعلق السيادة بنوع الحكومة المتوافرة ، ونوع علاقتها مع الأقطاب الشرسة، بل بنوع تحالفها مع الأكثر شراسة. وهو أمر خطير للغاية. لأنه سيفصّل احترام الآخرين لسيادة دولة ما، وفقاً للحظة الأقوياء في ذلك الزمان ورضاهم. يعني سنكون عُدنا من الباب الواسع لقادحات العنف والحروب، وكأن الترتيبات العالمية الحافظة لتوازنات السلم، كتبت بنسختين؛ نسخة الأقوياء، ونسخة الضعفاء.

لكن هل سيبقى الضعيف دائماً هكذا؟. التاريخ يقول بوضوح؛ لا شيء يبقى على حاله.

نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط