.
.
.
.

إشكالية الأشكال

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

في كل طرح أكان خطبةً أو وعظًا أو "تغريدًا" على مواقع التواصل أجد نفسي مضطرًا لإذكاء النقاش والطرح عن ضرورة "تعقل الأفكار" و"تدبر ما يطرحه الآخرون" لتصنيف الأشخاص ونسبتهم لأفكارهم دون حيف وخطأ وليس العكس، وهو ما نعانيه في مجتمعاتنا من تصنيف الأفراد والناس ثم نسبة الأفكار إليهم وفقًا لهذا التصنيف مهما كان الواقع مجافيًا لهذه النسبة!

ولا يتعلق الأمر بما قد يتبادر أولًا إلى ذهن القارئ من تصنيفات "دينية" وإن كانت هي الأبرز على الساحة، فتجد بمجرد رؤية فلان من الناس "يلبس كيت وكيت من اللباس" يصنفه الآخرون على أنه من جماعة "كيت وكيت" وبناءً على هذا التصنيف تكون معاملته، وقد يكون في واقع الأمر ليس كذلك، وإنما جاءت موافقة "الشكل" ربما عن غير قصد أو لقصد لكن لا يراد منه الموافقة.

ولم ينشأ هذا الإشكال حديثًا ولكنه نشأ منذ قرون، حيث بدأ بعض الأفراد والجماعات بالتميز الشكلي عن الناس، إما بلون لباس، أو بهيئة لبس، وهو الأمر الذي أصبح تدينًا عند بعض الطوائف، وهو وإن كان ظاهر البطلان والمخالفة إلا أن صاحب التميز الشكلي هذا يسرد الأسانيد والآثار إلى شيوخه ليثبت أن هذا "الشكل" يدل عليهم، وبالتالي فمجرد أن يرى الناس أحدًا يتلبس بتلك الهيئة إلا صنفوه إليها وجرت عليه أحكام هذا التصنيف، وهذا لا يصح من حيث كونه دينًا، لأن المسلم أصلًا مباح له أن يلبس "ما أبيح له" بمراعاة العرف المعتبر، وقد كتبت مقالا قبل مدة عن هذا عنوانه (شماغ وعقال)، وإن كان شيءٌ من اللباس يراعى فيه التدين والاتباع فليس هناك أحق بهذا الاتباع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قدوة لجميع المسلمين، ليس فقط لذوي علم أو فقه أو طريقة، بحيث إن الناس اختزلت تصنيف "المتدين" بهذا اللباس، فالمسلمون كلهم في مرتبة واحدة في إباحة ما يلبسون.

ولا يعارض ذلك اتخاذ الأشكال علامة ودليلًا وميزة لكثير من ذوي المهن والتخصصات، فإن ذلك صحيح ومعتبر، ولكن يبقى الطرح في اعتبار الحقائق بعيدًا عن الشكليات، غير مبني على الافتراض، فمثلًا يلبس الأطباء لباسهم الأبيض المعروف، وقد تعارف الناس أن صاحب هذا اللبس "طبيب" لكن هل يكفي ذلك؟ أم أن هناك طريقًا طويلة وشاقة سار فيها ذلك الشخص حتى أصبح طبيبًا؟! وحينها فثقة الناس بصاحب هذا الشكل يسبقها تصور أنه لا يتجرأ أحد على انتحال هذا الشكل بغير مضمون، وهذا هو المفترض، ومع ذلك فهذه الثقة والتصور لوحده لا يكفي، إذ لا بد من الدنو والتأكد عن قرب من مهارة وخبرة وقدرة هذا الطبيب، وسرعان ما يعرف الناس الجدير وغير الجدير بهذه المهنة وإن كان من أهلها!

ثم نعود إلى ضرورة تمحيص حقائق الناس دون اعتماد الشكليات أو الحكم على أصحابها بمجردها، فمثلًا قد تجد ذا هيئة وحسن مظهر ويوحي مظهره عن مخزون من الثقافة والمعرفة، فلا تعتمد فكرة أنه "مثقف" حقًّا حتى تدنو منه وتجالسه وتسبر حديثه، ففي الحقيقة هو لم يفعل شيئًا خطأ، فهو يحب أن يكون مظهره أنيقًا وجذابًا وفعل ما يحلو له، الخطأ يكون في تكوينك الفكرة عنه، بل ربما حكمت له أو عليه قبل معرفته!.

ومن الطرائف هنا ما يروى عن أبي حنيفة رحمه الله أن رجلاً ذا هيئة دخل مجلسه فجلس أبو حنيفة واستوى هيبة واحترامًا للرجل، فسأل الرجل أبا حنيفة: متى يفطر الصائم؟ فقال أبو حنيفة: إذا غربت الشمس. فقال الرجل: وإن لم تغرب؟ فقال أبو حنيفة: "آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه".

ومن هذا الباب قد تجد أناسا كثيرين يتصدرون مواضع الشهرة وتهابهم لذلك، ولكن بمجرد أن يتكلم يكشف عن نقيض شكله، وحينها تجد نفسك مرغما على ترديد جملة أبي حنيفة، بل وتمد رجليك!. هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.