.
.
.
.

الحرب.. أبغض الخيارات

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

يحتاج موقف النبى مع «عوف بن مالك»، قائد جيش هوازن، إلى بعض التأمل، سواء رسالته الشفوية إليه «إن جاءنى مسلمًا...» وحتى وصول عوف إليه متخفّيًا.

عوف قائد مهزوم هزيمة ساحقة ومهينة، بادر إلى الحرب والهجوم على المسلمين وعلى النبى نفسه، ومع ذلك عامله النبى كما لو كان منتصرا، رد إليه ماله وأهله الذين عوملوا من اللحظة الأولى بتكريم شديد، ثم كافأه النبى بأن ثبته فى زعامة قومه، رغم أن تلك الزعامة اهتزت كثيرا بفعل الهزيمة، وأعطاه كذلك ثروة جديدة، مائة من الإبل، الأهم من ذلك أن النبى كان المبادر بالسؤال عنه، والمبادر بالتواصل معه، لم يتحدث عنه بلفظ مسىء ولا كلمة جارحة، بل حديث عف، غاية فى الرقى والتهذيب، رغم ضعف وهزيمة الخصم ورغم أنه كان خصمًا على كافة الأصعدة، سياسيا واجتماعيا وعقائديا، البذاءة وسلاطة اللسان ليست سلوكًا دينيًا ولا اتجاهًا إنسانيًا، حين تطل البذاءة، اعلم أن الدين والتدين اختفيا تماما.

للوهلة الأولى قد يتصور البعض أن ما قام به النبى قد يكون تفريطًا أو تنازلًا عن كثير من نتائج النصر الذى تحقق، غير أن التأمل العميق يضعنا أمام حقائق كان النبى مقتنعًا بها وتكشف عنها كثير من الأحداث.

أولى تلك الحقائق أن الحرب هى الخيار البغيض، لا يجب اللجوء إلى القتال إلا إذا سدت أمامنا كل الطرق، ويمكننا القول إنه منذ النصر فى «بدر» لم تعد الحرب خيارا مطروحا وليست له الأولوية لدى النبى (الحرب كانت اضطرارا فى كل الأحوال)، غزوة أحد بادرت بها قريش انتقاما لقتلاها الكبار فى بدر، كذلك كانت غزوة بدر، حيث قاد عمرو بن الحكم جيش قريش حماية لتجارتها، ولما نجح أبوسفيان بعبقريته فى الإفلات بالقافلة، أرسل إليهم يعلمهم بذلك ويطالبهم بالرجوع عن الاشتباك مع محمد، لكن عمرو «أبوجهل» رفض وصمم على مواصلة المسيرة لتلقين محمد ومن معه درسا قاسيا، فقتل هو وكبار القوم، غزوة الخندق بادرت بها قريش أيضا، وانتهت دون قتال، بعدها تكون الاقتناع لدى النبى ولدى قادة قريش، تحديدا أبو سفيان بن حرب، بأن ما بينهما حرب استنزاف، وأنه ليس بمقدور أى طرف القضاء على الآخر، ولن تحسم الحروب، وإن طالت ما بينهما.

من هنا بدأ الاتجاه إلى التفاوض وأن يتنازل كل طرف خطوة والزمن يتكفل بحل الباقى، لذا وجدنا النبى يقدم على خطوة جسور، إذ يجهز جيشه بعد الخندق ويصطحب المسلمين إلى مكة، ويعلم أهلها أنه جاء ليطوف بالكعبة متعبدا ولم يأت غازيا، تقاليد سدانة الكعبة ألا يمنع أحد من دخولها والطواف حولها، لكن من شدة خوف قريش تصوروا أن النبى إذا دخل بأنصاره وقواته قد لا يخرج ثانية، ولكن لا يمكنهم إعلان ذلك، من هنا بدأ التفاوض وكان صلح الحديبية، الذى انتهى بفتح مكة، دون قتال.

فى هذه الاستراتيجية يكون وجود جيش قوى مهمًّا لإقناع الطرف الآخر بعدم التعجل ودخول القتال، بحثًا عن بدائل أخرى، حين وقع النبى صلح الحديبية غضب بعض الصحابة لقبول النبى شروط الصلح التى يعتبرها «مونتجومرى وات» تنازلًا مذلًّا من النبى، والحق أن قبول النبى تلك الشروط، رغم قوته إلى حد أن صار على أبواب مكة كان مستغربا لدى الكثيرين، سواء بين المسلمين أو بين القرشيين ذاتهم، الأيام أكدت صحة موقفه وبعد نظره، إنها بالتعبير المصرى خسارة قريبة لنيل المكسب البعيد.

ليلة الفتح طلب النبى من عمه العباس أن يحجز أبوسفيان لديه حتى الصباح، وما إن رأى أبوسفيان سرايا جيش النبى حتى اصطكت أضلعه خوفًا، وهرول إلى قريش يحذرهم مغبة مواجهة النبى.

وهنا قد يتساءل البعض: ولماذا كانت غزوة «حنين»؟

استقراء الأحداث يؤكد أن عوف هو من بادر بالهجوم، وأن النبى كان يقصد «الطائف» باعتبارها المدينة المناوئة لمكة، كانت الطائف غنية أكثر من مكة كثيرا، وكان لديها معبد كبير ينافس الكعبة، معبد «اللات»، لم يكن العرب يستعملون مصطلح معبد، كانوا يطلقون عليه «مسجدا»، لذا جاء القرآن الكريم وعدل وظيفة المسجد للتأكيد أن المساجد لله فقط.

لم يكن معبد أو مسجد الطائف فى شهرة وقيمة الكعبة لدى العرب، وكانت الطائف أخذت تستعد لغزو مكة. فى الطريق إليها، كان عوف متربصًا وكانت غزوة هوازن، لم يكن غريبا أن يختفى داخل الطائف بعد هزيمته.

حاصر جيش مكة الطائف، وتم ضرب سورها بالمنجنيق، واكتشف النبى أن الحصار قد يطول والخسائر سوف تتزايد، لذا تشاور مع أبى بكر وأمر برفع الحصار والانسحاب، كان الحصار يعنى أن الطائف لم يعد بمقدورها غزو مكة ولا التفكير فى مواجهة النبى، وحين تعجز الحرب عن الحسم تكون البدائل الأخرى، كان عوف نموذجا أمام «ثقيف» وقادة الطائف، إنهم إذا سالموا النبى، لن يخسروا شيئًا، إن لم يحققوا بعض المكاسب، نفوذهم مضمون، أموالهم مصونة، الأهم من ذلك أن كبرياءهم وكرامتهم لن تمس. ولذا وجدناهم فى النهاية يبايعون النبى، صحيح أن ذلك استغرق أكثر من عام، لكنه تم دون قتال ودون هلاك للزرع، الطائف كانت منطقة زراعية.

الاستراتيجية التى تبناها النبى ثبتت فاعليتها بنجاح ساحق، ويمكن القول إن المدن الكبرى الثلاث، يثرب ومكة والطائف، دخلها النبى بلا حرب، دخل يثرب مدعوًّا من أهلها، لأسباب خاصة بهم، كان الصراع الداخلى بين طرفيها الأوس والخزرج قد أرهقهم، وشعروا بالقلق من إمكانية تسيد الآخرين عليهم، كان اليهود يعايرونهم بأنهم ليسوا أصحاب كتاب مثلهم، وكان النبى والإسلام يمثل الكتاب لهم، لذا فإن مقولة السيف لدى بعض الأوروبيين، وإن الإسلام دين السيف، بحاجة إلى مراجعة، المقولة نفسها تبناها معظم تنظيمات التشدد والإرهاب تحت مسمى الجهاد، فراحوا يطبقونها ضد الدول والحكومات فى المجتمعات العربية والإسلامية، فنشروا الإرهاب والخراب فى كل مكان حلوا به، لم يحرروا وطنًا ولا نشروا دينًا، لا أقاموا العدل ولا حرصوا على خُلُق، استباحوا كل شىء فى الموصل بالعراق، وفى شمال سيناء قتلوا جنودنا وهم صائمون، لحظة أذان المغرب فى شهر رمضان الكريم سنة٢٠١٢، وبعدها. انتهى بهم الحال إلى أن صاروا مجموعات من الميليشيا ترتزق بالقتل، لمن يدفع لهم أكثر، والواقع أمامنا فى سوريا وليبيا، أصبحوا أدوات لدى بعض أجهزة المخابرات حول العالم، فأساءوا إلى الإسلام دينا وحضارة وإنسانية، كما أساءوا إلى ذكرى سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وبعد أن كان النبى نموذجًا لدى فلاسفة كبار مثل جيته وتوماس كالاريل، ورمزا عظيما للإنسانية والبطولة، صرنا نرى كيف يتم تصويره الآن فى بعض المجتمعات الغربية.

مقولات السيف والجهاديين بحاجة إلى مراجعة جادة وتفنيد عميق، لأنها لا تستقيم ولا تتسق مع استراتيجية النبى فى أن الحرب أبغض المباح أو أبغض الخيارات، لا يجب اللجوء إليها إلا مكرهين أو مضطرين.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.