.
.
.
.

تجربة الكويت من سلة الممنوعات

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

في كل عام تستضيف مدينة أبوظبي ندوة ينظمها معهد بيروت للدراسات، يتصدر جدول أعمالها بند تحت مسمى التفكير بحلول من خارج صندوق التوقعات والمسموحات - Thinking the Unthinkable، يتصدى لشرحها بعض العاملين في مكتب لندن اسمه هكذا «التفكير من خارج خريطة التوقعات»، وتعرفت على المسؤول عن ذلك المعهد، خلال تلك الفترة، وشرحت تجربة الكويت في التناغم مع الممنوعات.

كنت أشرح معانيها على الكويت التي عاشت على الابتعاد عن التحالفات مع الدول الكبرى، وغاصت في جماليات الدبلوماسية العربية، وتوغلت كثيراً في غابات شبكة العلاقات العربية، والتزمت منذ الاستقلال بالطريق الذي تمثل في حضور القوات العربية التي حرست الحدود مع العراق منذ عام 1961، لا تحمل دبابات، وإنما سلاحها أخلاقيات تصد الطامع بأرض الكويت، لأن هذه القوات هي مصدات سياسية ومعنوية، رمزيتها أكبر من فعاليتها، ومعناها السياسي أبلغ من تأثيرها العسكري.

تجربة الكويت في التحرير حية شاهدها العالم عبر التواصل الاعلامي، واستخلص العبر والدروس، وأهمها الاقتناع بأنه لا توجد محرمات أو ممنوعات في حياة الشعوب، فعند تحديات المصير، تبرز الأولوية للبقاء. غداً (الثلاثاء)، 15 سبتمبر، التوقيع على اتفاقية سلام بين دولة الامارات العربية المتحدة وإسرائيل، وهي حالة كانت في سلة الممنوعات، لكنها ستعبر على حقائق الممنوعات لتسجل أمام العالم، مرة أخرى، أن حياة الدول ليست فيها مستحيلات ولا مستبعدات، لأن حتمية البقاء لدى الشعوب حادة ترفض كل المصدات، لا ننسى أن اتفاق أوسلو جاء من تلك السلة الصامتة التي وفرت للسيد عرفات حلاً، عندما انحسرت مكانته القيادية في ضوء ائتلافه مع صدام حسين في التآمر على الكويت، ومن ذلك الحل الذي لا يأتي على بال، تواجدت المنظمة في رام الله كعاصمة للدولة القادمة، تحسنت الأوضاع الفلسطينية، وسطع في سماء القضية شيء من الأمل، وواجبات أبومازن وجماعته أن يذكروا تلك الظروف ويأخذوا الدرس الذي تعلمناه في الكويت، بأنه لا حدود ولا إقصاء ولا إغلاق لأي احتمال مستقبلي يضيف جديداً لأحوال الفلسطينيين. بهذا المنطق المتفتح لكل خطوة مضيئة في حياة شعب فلسطين، نستغرب الحماس المنفعل لاجتماعات أبومازن مع جماعته في التطاول على دول الخليج مع تصعيد في المفردات لا تنسجم مع واقع وظروف شعب فلسطين، الذي يجب أن يبرز استعداده لاستقبال أي حل ينهي الشتات، فمشكلة فلسطين قضية معقدة لا تأتي من حلول متوافرة من صندوق الأحلام، فمنطق التاريخ وديناميكية التبدلات في الحياة لا تتعاطى مع من يغلق الأبواب ويبقى في أجواء المأتم السياسي، لكن الأهم أن يبقى الباب مفتوحاً، فلكل وطن له طموحات وآليات وتصوراته المستقبلية وهي التي تتحكم فيه. في حالة الكويت ندرس كيف انتقلت من التعايش في المحيط العربي ونعومة التعبير وسخاء العطاء، وإيجابية السلوك، وشرعية التحرك، حاملة مقترحات لحل الخلافات بين العرب. كان سمو الأمير، أطال الله عمره، وأعاده إلى وطنه قائداً، يريد أن تكون السماء بين العرب دائماً صافية، مؤمناً بأن صفاء العرب سكينة للكويت، وفي فضاء العرب يتعاظم دور الكويت.. في شهر أغسطس 1966، ذهبت مع سمو الأمير، عندما كان وزيراً للخارجية، إلى الاسكندرية لمقابلة الرئيس عبدالناصر، وتم اللقاء في منزل الرئيس على شاطئ البحر، بحضور المشير عامر، والسادات، والسفير الكويتي المرحوم حمد الرجيب، وكاتب هذه السطور، الذي أعد محضر الاجتماع.

كان مقترح سمو الأمير عقد لقاء بين الملك فيصل والرئيس عبدالناصر في الكويت لإنهاء حرب اليمن، ورفض الرئيس عبدالناصر اللقاء، بدعم من عامر والسادات.

كان الأمير يعقد آمالاً على هذا المقترح، وخرجنا عائدين إلى الكويت، واشتد الصراع، وتعقد الوضع بعد سحب قوات الأمم المتحدة من سيناء وكانت الهزيمة، وذهبنا إلى الخرطوم ليقرر الملك فيصل دعم خصوم الأمس بمشاركة الكويت، للخروج من الاكتئاب. ووفق المعايير التي يؤمن بها سمو الأمير، تحرك لدعوة وزراء خارجية العرب للاجتماع في الكويت في 11 يونيو 1967، ويأتي الوزراء، ومنهم محمود رياض المعتدل المجروح، ويخرج الوزراء بقرار بدعم مصر والأردن وسوريا في الأمم المتحدة، ويذهب الوزراء بطائرة كويتية إلى تركيا، ومنها تفرقوا إلى نيويورك، ونظل ثلاثة أسابيع في صراع بين العرب والولايات المتحدة، فقد أصبح الحل في معادلة الأرض مقابل السلام، فكانت صدمة لم يتوقعها العرب، إذا تريد الأرض وقّع اتفاقية صلح مع اسرائيل، هذا هو الشرط.

وهو حل من خارج الصندوق، والصدمة للعرب كبيرة، لأنهم اعتادوا على قواعد العمل من داخل صندوق التوقعات المعتادة، وتساءلنا جميعاً عن إمكانية القدرة العربية على توقيع اتفاقيات لاسترجاع الأرض، فثمنها غير متوقع، خصوصاً أن ثقافة أربعين سنة من انكار الحقائق تتحول فجأة إلى شرعية عالمية يوقع عليها العرب المحتلة أراضيهم. كنا كوفد كويتي مثل الآخرين، بمن فيهم وفود مصر والأردن، لم تعتد أجسامنا هضم هذا المطلوب، ومع مرور الوقت بدأت النفوس تتغير في وعيها الواقعي، فالأرض لن تعود من دون ثمن، والثمن غير معتاد، لأننا أغلقنا باب الاجتهاد وعشنا وهم النكران. لا أحد من عرب أو غيرهم يملك حق التطاول على الامارات، أو غيرها، وليس بإمكان العرب وغيرهم تبديل الوقائع التي أصبحت حقائق سياسية وحياتية على الأراضي المحتلة، فما كان ممكناً بالأمس تراجع اليوم، ما حصل عليه السادات في آخر السبعينيات ما كان ليحصل عليه لو انتظر إلى التسعينيات، وأعتقد أن الأفضل للسيد أبومازن أن يتحدث للأردن وإلى مصر ليستمع إلى النصيحة الفاعلة، لأن فترة تجميد التوسع قد تنتهي، ففي المعادلة بين اسرائيل ومصر والأردن كانت الأرض مقابل السلام، مع فلسطين الجوهر هو حل الدولتين، وهو موقف عالمي جماعي، تدعمه الولايات المتحدة، وهناك إمكانية لتوسيع الأراضي المقترحة للدولة الفلسطينية، بدعم عربي مرن، فالسقفية التي يطمح لها أبومازن لن تتوافر وفق توازن القوى، وإنما يمكن التركيز على بقاء جغرافي في القدس يتحول إلى عاصمة للدولة الفلسطينية، والأهم من كل ذلك أن يدرك أبومازن وجماعته أن الدول العربية مثل الآخرين تختار وفق املاءات المصير، ولا تتماشى مع نبرات الخواطر.

بكل وضوح ملف فلسطين يتطلب مساراً من خارج سلة التوقعات، ومن قناعات بعدم تواجد ضمان بأن المستقبل سيظل شبيهاً بواقع اليوم، لا على الأرض ولا مع واقع التحولات العالمية المتسارعة.

كنت في لندن شهر فبراير الماضي، اتصلت بالسيد مدير مركز الحلول من خارج سلة التفكير – Dr. Gowing، ولم نتمكن من تحديد موعد لأنه سافر إلى الاتحاد الأوروبي، من يصدق أن دولاً ومراكز تطلب منه المقترح المناسب لقضاياها.

استوعبت الكويت جيداً حياتها في مستجدات الضرورة، وتناغمت مع التموجات التي استوطنت دبلوماسيتها، وتكيفت مع أصول الشراكة الاستراتيجية التي شكّلت الرادع الأمني، وأضافت على هذه المستجدات انطلاقات واسعة في مجالات العطاء الإنساني، وتحولت إلى موقع لاجتماعات عالمية واقليمية تهدف إلى إعادة إعمار دول تهدمت بسبب سوء إدارة من حكامها، وكلها نابعة من ممارسة كويتية رافقتها منذ الاستقلال.

الكويت رواية لفنون العيش في حلول من خارج الصندوق تستحق حسن الدراسة.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.