.
.
.
.

النظام الدولي.. إشكالية إعادة البناء

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

ذات مرة قبل بضعة أعوام، تحدث بطريرك السياسة الأميركية المعاصر هنري كيسنجر عن حال ومآل عالمنا المعاصر، عبر تساؤل مثير للتفكر: "إلى أين نحن ذاهبون من هنا؟".

كان من الواضح أن كيسنجر أحد أهم قادة السياسة الواقعية حول العالم يدرك الحد والمد لتغير جيوبولتيك العالم بعد سبعة عقود ونصف من نهاية الحرب العالمية الثانية، وثلاثة عقود من انهيار حائط برلين.

لم يقدر في واقع الأمر لأي قوة دولية، والولايات المتحدة الأميركية في مقدمها، قيادة وسيادة العالم بشكل أحادي، وبدا أن فكرة النظام العالمي الجديد لصاحبه جورج بوش الأب، لم يقدر لها أن تخلد طويلا.

خبرة كيسنجر السياسية دفعته للاعتراف بأن اجتراح نوع من إعادة بناء النظام الدولي هو التحدي الأقصى لفن السياسة في زماننا. وعنده أن عقوبة الإخفاق لن تكون حربا كبرى بين دول، وإن لم يكن مستبعدا في بعض المناطق، بمقدار ما ستمثل نوعا من التطور إلى مناطق نفوذ متماهية مع بنى وصيغ حكم داخلية خاصة.

تكاد منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط أن تكون مفتاحا لفهم أبعاد رؤية كيسنجر لبناء نظام عالمي جديد، حيث تطفو على السطح نماذج متصارعة، بعضها يمضي في طريق الدولة الويستفالية التقليدية، وأخرى تحاول إحياء نماذج من الماضي الذي ولى، كما يفعل الآغا العثمانلي أردوغان والذي يهيئ له خياله أن الماضي يمكن أن يعود، وأن الدولة العثمانية قابلة للإحياء من جديد.

ليس خافيا أن رقعة الشطرنج الإدراكية الدولية يعاد رسمها بحسب توازنات دقيقة من الجغرافيا والديموغرافيا، وعبر حسابات تميل إلى فكرة الواقعية وليس المثالية، انطلاقا من أنه إذا كان لأرسطو ماضي فلسفي، فإن ميكيافيللي له مستقبل سياسي.

الذين يقرأون لا ينهزمون، وفي مقدمة القراءات الحاكمة للمشهد الدولي الجديد، تعزيز المفهوم الخاص بالعلاقات بين الأمم وبعضها بعضا، حيث لا صداقات، بل مصالح فقط، وقد يبدو غالبا سلوك العلاقات الدولية عندما تسعى جميع الدول ببساطة إلى تحقيق مصالحها الذاتية فوضويا، ومحفوفا بالمخاطر، وغالبا ما يكون عشوائيا، حيث يسود الأقوى على الأضعف.

تبدو تركيا - أردوغان اليوم أسوأ مثال على الاضطراب الناجم عن عدم المقدرة على فهم مقدرات العالم، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية تراجعات مذلة لسفن السلطان المتوهم في شرق المتوسط، بعدما بدأت الإرادة الدولية للنظام العالمي تلتقي على توجه واحد، وهو ألا تتجاوز أنقرة خطوط حمر بعينها، رسمتها أوروبا القديمة بقيادة فرنسية، ونسجت خيوطها الولايات المتحدة الأميركية بضغوط استوعبها الآغا في الربع ساعة الأخير، خوفا من بطش العقوبات الاقتصادية الأوروبية من جهة، والسياسة الأميركية من جهة ثانية.

لا تبدو حركة أقاليم العالم منضبطة مؤخرا، بل أقرب إلى العشوائية لا سيما في ظل فيروس شائه، بدل الأوضاع وغير الطباع، وانتقص ولاشك كثيرا جدا من مساحة القطبية القادمة للصين، فيما الدب الروسي الذي لم يعد مقيدا، حاضرا مترصدا، يملأ مربعات النفوذ التي تخسرها واشنطن منذ عهد باراك أوباما بنوع خاص، ومتحسبا لصحوة التنين الصيني، والذي لم يكن يوما ما صديقا موثوقا للقيصرية التاريخية، بل عدوا مباشرا لها في الكثير من الأوقات.

والشاهد أنه وسط الفوضى التي تتناولها كثير من الرؤى والتحليلات في الأعوام الأخيرة، وتشبيه الوقت الحاضر بالسنوات التي سبقت نشوب الحرب العالمية الأولى، تشتد المقاربات بين عالمين على صعيد السياسة الدولية، الأول موصول بالأنموذج المثالي، فيما الثاني يغلب الواقعي، وبينهما يحدث شغب فكري كبير، لا سيما بين منظومات سيكولائية اجترارية، وبين أفكار وطروحات غير معلبة من خارج الصندوق الاتباعي التقليدي، ما يعود بنا إلى عالم الديالكتيك الذي خبر عنه كارل ماركس.

النظام التركي الحالي مرة أخرى هو تطبيق لما تقدم، وأن كان تطبيق منزوع الذكاء، فهو لا يجيد قراءة التاريخ، ولا دالة له على فهم مسارات ومساقات الجغرافيا، وآية ذلك نزوعه إلى اللعب على أوتار المتناقضات، ومن غير أن يبادر إلى تقديم نموذج يؤسس لعلاقات أممية قائمة على العدالة والاحترام الويستفالي القديم.

يدرك الأميركيون أن تركيا أردوغان تحاول مغازلة الصين للمكايدة السياسية، كما تفعل الشيء ذاته مع الروس، لكن ما لا يمكن لأنقرة أن تدركه هو أنها غير قادرة لأسباب جوهرية أن تكون حجر زاوية في أي بناء أممي قادم.

لا تبدو الخارطة العالمية قادرة في الوقت الراهن على اجتراح نظام عالمي جديد، ومرد ذلك غياب استراتيجية متماسكة لترسيخ مفهوم للنظام داخل المناطق أو الأقاليم المختلفة.

هل العالم في حاجة إلى يالطا جديدة تعيد ذكرى سابقتها بعد الحرب الكونية الثانية؟

هذا ما كان قد اقترحه القيصر بوتين، غير أن الاقتراح بحال من الأحوال لن يكون قابلا للتنفيذ أو الرفض قبل حسم الانتخابات الرئاسية الأميركية في 3 نوفمبر المقبل، ومعرفة ما إذا كان الرئيس ترمب سيملأ الدنيا ويشغل الناس لسنوات أربع أخر، أم سيكون بايدن في سدة الحكم ليشهد العالم فترة رئاسية ثالثة مقنعة لباراك أوباما، وفكر قيادته من وراء الكواليس، ما يعني أن واشنطن ستكون غير معنية بتطوير نظام عالمي يخص القرن الحادي والعشرين.

الخلاصة.. الضباب يخيم فوق سماوات العالم، ما بين كوفيد-19 عائد بقوة من جديد، وغياب حالة من الرشد والعقلانية عند بعض الأطراف الدولية، الأمر الذي يجعل العالم يمر بمرحلة غليان، ومعها يخشى من أن تكون الحرب هي قابلة التاريخ، والعودة من جديد إلى ساحة الوعي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.