.
.
.
.

إيران تبحث بين رجالها في العراق عن الأسوأ

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

هل وجهت إيران الدعوة إلى نوري المالكي رئيس وزراء العراق الأسبق لزيارتها وبأي صفة؟

كونه زعيماً لحزب "الدعوة الإسلامية" لا يشكل سبباً مقنعاً بالنسبة الى القيادة الإيرانية لكي يشكل الرجل رقماً صعباً مرئياً في المعادلة السياسية القائمة في العراق. فذلك الحزب لا يملك الآن حظاً حسناً يمكنه من استعادة الحكم بعد أن وصلت سمعته إلى الحضيض بسبب ارتباطه بالفساد غير المسبوق الذي ضرب العراق أثناء السنوات الثماني التي تولى فيها المالكي الحكم وكانت السلطة المطلقة بيده شخصياً.

أما كون الرجل الذي شهد العراق أثناء حكمه حربه الطائفية الأولى في التاريخ طائفياً من طراز نادر لا مثيل له حتى بين رفاقه من أعضاء البيت الشيعي الذي سبق وأن اخترعه أحمد الجلبي، فإن ذلك أيضاً لا يشكل نقطة ارتكاز قوية لكي يتم تبنيه من جديد بعد أن كشفت الاحتجاجات الأخيرة أن أبناء المدن ذات الغالبية الشيعية في العراق يكرهون إيران أكثر من سواهم من العراقيين وهم لا يطيقون وجود الميليشيات ذات التبعية الإيرانية في مدنهم.

نزعة المالكي الطائفية لا تعني شيئاً بالنسبة الى إيران. فهي تهيمن على العراق وترغب في أن تستمر هيمنتها من غير أن تزعم أنها فرضت تلك الهيمنة من أجل أن تحمي شيعة العراق. تلك كذبة، حاول بعض الزعماء الشيعة في العراق تمريرها من غير أن تجد لها آذاناً إيرانية صاغية.

فما هي الحجة الإيرانية التي كانت الدافع من وراء توجيه الدعوة إلى رجل قد احترقت أوراقه على المستويين الحزبي والشعبي في العراق؟

على مستويات عديدة لا يمكن اعتبار النظام الإيراني نظاماً ذكياً. غير أنه يمارس نوعاً من الخيال المعطوب حين يسعى إلى تقريب البطل الشيعي السابق الذي تحول فجأة إلى عنوان لهزيمة الشيعة وفسادهم بعد هزيمة الجيش العراقي عام 2014 في معركة لم تقع والتي أدت إلى سقوط مدينة الموصل في قبضة التنظيم الإرهابي "داعش".

في حقيقة أمره فإن نوري المالكي هو الأسوأ بين حكام العراق منذ أن تأسست الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن العشرين.

يقف الرجل الذي عُرف بميله إلى العنف في الجانب الأكثر سلبية دائماً.

المالكي كان سابقة في التاريخ السياسي العراقي. فالرجل يمكنه أن يكون النقيضين في الوقت نفسه. فهو موضع ثقة بالنسبة الى سلطة الاحتلال الأميركي وهو الموالي لإيران إلى درجة التضحية بأموال العراق المخصصة للإعمار من أجل انقاذ الاقتصاد الإيراني.

على مستوى سياسي داخلي استطاع المالكي وهو الذي أعلن غير مرة عدم ايمانه بنظام المحاصصة الطائفية أن يزور وجود الطرف الثاني في المعادلة الطائفية، فكان هناك جزء من الطبقة السياسية تم التوافق على تسميته بـ"سنّة المالكي". أولئك هم ممثلو المكون السنّي الذين التحقوا بالحكم بعد أن أعدهم المالكي ليكونوا جاهزين لتنفيذ أجندته. فهم جاهزون في أية لحظة لإعلان الحرب على الحكومة بغض النظر عن حاجة الإرادة الشعبية للمكون الطائفي الذي يمثلونه.

كانت لعبة المالكي تستند إلى إدامة طابع التوتر الطائفي في العراق.

وإذا ما كانت إيران قد فقدت القدرة على التحكم بالحكومة العراقية في ظل وجود مصطفى الكاظمي على رأس تلك الحكومة، فإنها يمكن أن تدشن عهداً جديداً من الهيمنة من خلال اتباع أسلوب في إشاعة الفوضى تأمل في أن يكون المالكي قادراً على اتباعه وصولاً إلى تعكير الأجواء وشحن الأوضاع الشعبية بالإشاعات السلبية التي اختبر العراقيون في أوقات سابقة مدى تأثيرها على المستوى السياسي.

ولكن لمَ اختارت إيران المالكي من دون سواه من رجالها وهم كثر في العراق للقيام بتلك المهمة التي قد تؤدي إلى نتائج عكسية؟

يأمل الآخرون في أن يكون لهم مستقبل في الحكم في حال استمر الكاظمي رئيساً للحكومة أم إذا آلت السلطة إلى سواه. إما المالكي فإنه رجل بلا مستقبل.

حقيقة تعرفها إيران. المالكي نفسه يعرفها غير أنه يحاربها بعناد مَن يرغب في إغراق المركب الذي صارت عودته إلى قيادته مستحيلة. إنه رجل عدمي يصلح في لحظات يأس معينة أن يكون رجل إيران الوحيد في العراق من جهة ايمانه بالحرب الطائفية الدائمة.

تلك نزعته الشخصية التي كانت موضع إعجاب لدى زعيم "فيلق القدس" السابق قاسم سليماني وزعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصر الله الذي سبق أن استقبله في بيروت بحفاوة باعتباره رمزاً للمقاومة.

كانت "المقاومة" هي كلمة السر التي عثر عليها نوري المالكي بعد أن أضطر إلى التخلي عن الحكم مهزوماً. لقد اهتدى يومها إلى ما اعتبره معادلاً موضوعياً لمنطق المؤامرة الذي كان يشد أزره ويطور علاقته بالآخرين من رفاق رحلته بين سراديب حزب "الدعوة" أيام الفقر الموحش التي قضاها في دمشق.

كانت مظلومية الشيعة هي عنوانه الذي يسّر عليه الارتباط بمشروع الولايات المتحدة لغزو العراق واحتلاله وهو اليوم يعتبر "المقاومة" حصانه الرابح الذي ييسّر له البقاء عزيزاً لدى القيادة الإيرانية.

ليس من المستبعد أن تكون الدعوة التي وجهت للمالكي لزيارة إيران ولقاء القيادة هناك مجرد محاولة للمزايدة يُراد من خلالها ابتزاز الآخرين ودفعهم إلى إعادة النظر في مواقفهم التي تبدو محايدة في هذه اللحظة السياسية الحرجة.

ما من أحد يمكنه أن يتنبأ بما يفكر فيه الإيرانيون وهم الذين اعتادوا أن يقولوا شيئاً ويفعلون نقيضه.

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة