.
.
.
.

تطبيقات الإنترنت.. صراع المعلومات والهوية والقيم

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

لم يعد الصراع بين أهم قوتين اقتصاديتين وتكنولوجيتين فى العالم قاصراً فقط على التجارة والسلع المادية، فقد امتد إلى القوة الناعمة، التى تشمل بدورها حالياً التطبيقات الترفيهية ووسائل التواصل الاجتماعى. الحظر الذى أقره الرئيس ترامب بالنسبة لمنتجات ومعدات الجيل الخامس لشركة هواوى الصينية ثم تطبيق «تيك توك» المُصنَّف باعتباره تطبيقاً ترفيهياً، وتطبيق «وى تشات»، استند إلى مقولة أن تلك التقنيات والتطبيقات تستحوذ على معلومات كبيرة عن الأمريكيين ما يضر بالأمن القومى للبلاد، والحل هو الحظر الكامل، أو أن تُباع تلك التطبيقات الصينية المحظورة إلى شركات أمريكية لضمان أنها لن تتلاعب بالمعلومات التى تخص الأمريكيين.

الرؤية الأمريكية على هذا النحو ليست مقبولة لدى البعض، يرون الأمر صراعاً سياسياً يتعلق بقناعة أمريكية بأن هذا النوع من المنتجات الإلكترونية يُعد امتداداً للقوة الناعمة الصينية تخصم تدريجياً من القوة الناعمة الأمريكية، ما يؤثر على الدور القيادى الأمريكى عالمياً.

واقعياً، الرؤيتان ليستا متباعدتين كما تبدوان ظاهرياً، بل هما متكاملتان، فالصراع على المعلومات والاستحواذ عليها هو جانب مهم من عناصر القوة المعنوية والمادية معاً، والاستثمار فى القيادة فى العالم الراهن لا يثمر إلا من خلال صنع المعلومات ذاتها أو الاستحواذ عليها وتوظيفها. والمعلومات عن الأفراد فى حد ذاتها قد تبدو لدى البعض لا صلة لها باعتبارات الأمن القومى بمستوياته المختلفة، وهو استنتاج غير صحيح، فهذه المعلومات حين تُجمَع على نطاق واسع وتخص توجهات أجيال عمرية مختلفة ومرتبطة بأماكن السكن والإقامة والعمل والهوايات والانتماءات الفكرية والسياسية وتقييم الواقع المعيش، تتحول إلى كنز هائل من المعرفة التى يمكن أن توظف وتُستغل عبر تقنيات وتطبيقات غير مرئية تنتشر بصورة سرية على الهواتف الذكية للأفراد فى إعادة توجيه السلوكيات الفردية والجماعية على السواء.

كثير من الآباء يكتشفون عن طريق المصادفة كيف أن أبناءهم المراهقين وأطفالهم يتعرضون إلى عمليات تعديل فى نمط التفكير والسلوك من خلال الألعاب الترفيهية. المجانية المتاحة للجميع، عبر مقاطع فيديو مبهرة مزودة بجمل قصيرة ذات مغزى تظهر كإعلانات أثناء اللعب فقط حين يكون الطفل أو المراهق هو المستخدم، وإذا حاول الأب أو الأم التعرف على تلك الإعلانات الموجهة التى يتحدث عنها الأبناء عرضاً أمامهم، فإنها لا تظهر لهم تلك الإعلانات. ووفقاً لخبراء فإن هذه النوعية من الألعاب والتطبيقات وراءها جهات ذات أيديولوجيات تنفق الكثير على تلك التطبيقات، وبحيث توظف أساليب التعرف على الوجوه، ومن ثم لا تظهر الإعلانات الموجهة إلا للفئات العمرية الأصغر المستهدفة.

مثل هذه الأساليب يمكن توظيفها تجاه البالغين للتأثير على توجهاتهم وأفكارهم سواء السياسية أو الدينية أو المتعلقة بالقيم الأخلاقية. وهناك دلائل وتقارير ودراسات تكشف الكثير عن هذا الجانب. والحديث الشائع عن تدخل روسيا فى الانتخابات الأمريكية الرئاسية السابقة يستند إلى هذا الافتراض من خلال وسائل التواصل الاجتماعى. ما يهمنا نحن هو ما يتعلق بوفرة المعلومات الشخصية لجهات لا نعلم كيف توظفها وإلى من تمررها، ومهما نفت تلك الجهات التى تمثلها شركات فى الواجهة استغلالها لهذه المعلومات فى غير عمليات تطوير المنتج أو التطبيق، يظل الشك فى صدق هذا الوعد أمراً لا يجب التخلى عنه، وعلى الجهات المسئولة أن تنظر فى الوسائل التى تحمى بها معلومات مواطنيها، وكل ما يتعلق بقيم المجتمع وتماسكه. وللتذكير، فالهند حظرت تطبيق «تيك توك» و18 تطبيقاً صينياً آخر لأنها تجمع معلومات مهمة عن الشباب الهنود.

وقد تبدو مهمة مراقبة التطبيقات الجامعة للمعلومات صعبة بالنسبة للدول محدوة الإمكانيات التكنولوجية، ومع ذلك لا بد من المحاولة والبحث عن أفضل الطرق لمنع استغلال تلك المعلومات. وفى اعتقادى أن الكثير جداً من التطبيقات الصينية المجانية يجب أن تخضع للتقييم وأن لا يُسمح بها إلا بعد دراسة وافية لأبعادها المختلفة. فهذه التطبيقات تبدو مغرية للشباب والنشء بوجه عام، وتقدم مجالات واسعة من التواصل والترفيه والشعور بالحرية الشخصية، وبعضها يدفع المستخدم إلى القيام بأمور معينة من أجل المال أو الشهرة أو الانتشار السريع، وهى تطبيقات تطلب أولاً وبصورة إجبارية قبل التشغيل كماً كبيراً من المعلومات الشخصية وبعضها خاص جداً، وفى حال رفض المستخدم أى بند من البنود الإجبارية يتوقف التطبيق عن العمل. ويلاحظ الذين استعملوا هواتف ذكية متنوعة الماركات فى السنوات الخمس الماضية أن الهواتف الصينية تضع كماً لا بأس به من التطبيقات التى تبدو مفيدة وتضيف إلى الهاتف إمكانيات عديدة، وكلها بلا استثناء لا تعمل إلا بعد الموافقة على اختراق التطبيق لكل المعلومات الموجودة على الهاتف من الصور والأصدقاء والأرقام السرية للتطبيقات الأخرى، وبحيث يصبح المرء مكشوفاً وبلا أى رادع. وكثيراً ما يتساءل المرء: لماذا تصر هذه النوعية من التطبيقات على اختراق ما يخصك، اللهم إلا إذا كانت هذه المعلومات سوف توظفها الشركة مالكة التطبيق لأغراض لا يعلم عنها مالك الهاتف شيئاً، سواء تمريرها لشركات أخرى أو لجهات رسمية غير وطنية.

كثيراً ما يقال إن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى وتطبيقات الترفيه والألعاب الإلكترونية أعطت مجالاً رحباً للأفراد للتمتع بحريتهم ولاكتشاف مواهبهم وموارد رزق لم يكونوا يحلمون بها. وهى مقولات بحاجة إلى مراجعة من قبَل كل المعنيين لا سيما مراكز البحوث وعلماء الاجتماع فى بلادنا. ولعل القضايا التى تفجّرت فى العامين الأخيرين حول تأثير تطبيقات الصور ومقاطع الفيديو على قيم المجتمع وسلوك الأفراد تقدم لنا تحذيراً مهما. فبعض القضايا أثبتت أن بعض المدمنين على تلك التطبيقات يمكنهم أن يستغلوا أطفالهم استغلالاً مقيتاً من أجل زيادة الانتشار وجمع المال، وبحيث يستقر لديهم أن ما يفعلونه هو العمل المنتج وليس العمل البذىء، وآخرون ينزلقون إلى التنمر الوحشى على أفراد ضعفاء لا يعرفونهم من أجل التقاط مقطع فيديو يُنشر على الشبكة من أجل جذب الكثير من المشاهدين، أو آباء يرون فى صور بناتهم الفاضحة أمراً طبيعياً لأنه يدر الكثير من المال، ولكونه يساير العصر واهتمامات الأجيال الجديدة.

هذه القضايا هى جرس إنذار قوى يجب ألا يمر بلا دراسة واعية لتأثير تلك التطبيقات على قيم العمل وكيفية كسب المال والأخلاق، وللبحث عن طرق وقاية وترشيد لاستخدام تلك التطبيقات التى أصحبت كوباء لا مفر من التعايش معه بضوابط وعى مجتمعى غير قابلة للتنازل.

نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة