هجمة مرتدة

عادل الكلباني
عادل الكلباني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في عالم الرياضة كثيرًا ما نرى الهجمات المرتدة تقلب موازين اللعب، وتسبب إرباكًا وانتكاسةً للفريق الخصم، وقد تكون نتيجة هذه المرتدة قاصمة الظهر بعد أن كان لاعبو الفريق في نشوة نجاح هجمتهم، ولا يختص ذلك بالرياضة وإنما استهللت به المقال كتقريب مثال بما يلفت انتباه الأكثرين، كون الرياضة قد أصبحت جزءًا رئيسًا من ثقافة المجتمع، وإلا فهناك أيضًا، في الحروب العسكرية فكم فعلت الهجمات المرتدة من أفاعيل وتسببت من خسارات، وفي هجمة خالد بن الوليد يوم أحد أكبر شاهد ومثال حيث تلقى المسلمون خسارة كبيرة لم ينسها التاريخ، وما ذاك إلا بعد أن رأى المسلمون تولي أعدائهم وفرارهم، ورأوا الغنائم فترك حراس الثغور ثغورهم ليشاركوا الناس فرحة النصر وعصوا صاحب الخطة المحكمة صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءتهم الخسارة من حيث لم يحتسبوا، وقد أكون وصلت بهذين المثالين إلى مرادي من عنوان المثال، فقد مرت علينا أيام صعبة وأزمة حادة وبلاء أرعب العالم، وهو "كورونا" ولم تقف المملكة عاجزة أمامه في الوقت الذي عجزت فيه دول كبرى عن اتخاذ التدابير الفعالة، وبفضل الله ثم بحكمة حكام هذه البلاد المباركة وما توصلت إليه من علم وما بذلته من جهد استطاعت محاصرة هذا البلاء، واستطاعت في فترة وجيزة تزويد المواطنين بكل متطلبات الدفاع من المرض، وأيضًا نشرت في أوساط المجتمع ثقافة الوقاية بالتباعد والتطهير والحرص على استمرار التنمية واستدامة المصالح العامة والخاصة حتى إنها هيأت التعليم عن بعد حرصًا على تعليم الأجيال ومواكبة التقنية، ولم يكن كل ذلك ليكون لولا فضل الله وتوفيقه ثم ما بذلته المملكة من جهد جبار وإمكانيات ضخمة تعد بالمليارات، والحمد لله كانت الجائحة رغم ضخامتها هينة في ضخامة المجهود الذي قدمته المملكة حرسها الله، وبعد مضي الوقت الكافي لتزويد المجتمع بثقافة الحذر من كورونا وعودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها، فأخوف ما نواجهه هو ظن بعض الناس أن كورونا "انتهى" وأن العودة إلى الحياة تدريجيًا تنبئ بهذا، بينما الحقيقة أن كورونا لازال موجودًا بيننا وينتظر هذه اللحظة وهي "فرحة الناس بالخروج من العزلة" وما أشبهها بفرحة النصر التي لا تراعي قوة العدو وتربصه التهاون به، ولا سيما بعد أن مرت علينا احتفاليات وفرحة العيد الوطني، وربما لكبير فرحة الناس بهذه المناسبة تناسى البعض التقيد بالإجراءات الاحترازية وهو ما يخشى؛ فقد يجد كورونا الفرصة سانحة للعودة وبقوة، ولكن أملنا أولًا بالله سبحانه أن يحمي هذه البلاد ويدفع عنها كل سوء ومكروه، ثم أملنا بثقافة مجتمعنا وعظيم وعيه باستدامة والتزام الإجراءات الاحترازية، فالمجتمع أشد حاجة لها، حيث وأنه مع التدرج والسماح بالدخول والخروج من وإلى أرض الوطن، سيدخل الناس من كل وجهةٍ ومن كل بلد، فبلادنا ليست كغيرها من البلدان فهي ملتقى العالم ووجهته في كثير من شؤون الحياة.

إن العدو الذي يواجهه العالم "كورونا" لم يزل شاهرًا سنانه ومتوشحًا سيفه، غير أن وعي العالم ومعرفة من أين يأتي هذا المرض، قد خفف كثيرًا من شره وخطره، ولا يكون الأمر كذلك إذا ما تهاونت المجتمعات بأخذ الحيطة والحذر، واستسلمت للتساهل واللامبالاة في مواجهته، وشغلتها فرحة التغلب عليه ومحاصرته في بعض البلدان، فقد يكون الكورونا عنده اللياقة الكاملة والمهارة الخفية لإعادة الكرّة وتجديد الهجمة، ومن ثم يلحق هزيمة منكرة بكل ما سبق من تجهيزات، واستعدادات، وإضاعة الجهود التي بذلت كأنها لم تكن، عياذا بالله. هذا، والله من وراء القصد.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط