.
.
.
.

الشيخ صباح تاريخ دولة وأمّة

طوني فرنسيس

نشر في: آخر تحديث:

ليس سهلاً ان تتولى شخصية سياسية عربية، بنجاح، مهامّ قيادية على مدى ما يقارب ستين عاماً.

وأمير الكويت الراحل تمكن من ذلك. تدرّج في تولي المهام الإدارية، مثله مثل كثيرين من أفراد أسرة الصباح، قبل ان يعمل مع آخرين على وضع دستور 1962، الذي يُعتبر انجازاً ديموقراطياً هائلاً في زمنه وحتى اليوم في كل منطقة الخليج والشرق الأوسط، ثم تولّيه منصب وزير الخارجية (1963) الذي سيشغله أربعين عاماً، حتى رئاسته مجلس الوزراء (2003) فتوليه إمارة البلاد في 2006.

كان الشيخ صباح ممثلاً لبلاده في اصعب الظروف التي مرت بها المنطقة، وعندما رفع علم بلاده كعضو في الأمم المتحدة (1963)، كانت الكويت تتعرض لأطماع حاكم العراق، فيما العالم العربي يشهد نهوضاً ناصرياً قومياً، وحروباً في اليمن والجزائر وانقلابات في سوريا والعراق وتحولات على طول ساحل الخليج العربي ستقود إماراته ومحمياتها الى الاستقلال.

والكويت الدولة المستقلة الأولى بين تلك الدول الناهضة، ستتولى بتحالفها التاريخي مع المملكة العربية السعودية، مهمات عدة، من دعم الدول المستقلة حديثاً، في الإقتصاد والصحة والتربية، الى خوض الوساطات وتقريب وجهات النظر في جنوب الجزيرة واليمن... وكان الشيخ صباح حاضراً في كل تلك النشاطات والمبادرات.

وللبنان حصة وازنة من الإهتمام الكويتي. فعشرات الألوف من اللبنانيين عملوا في الكويت وما زالوا ابناء لوطنهم الثاني. وبصمات الدعم الانمائي للبنان قد لا تبدأ ببناء أهراءات مرفأ بيروت في نهاية الستينات مروراً بكل المشاريع الكبرى من طرقات وأوتوسترادات وضمناً اعادة بناء القرى والمنازل المدمرة في الاعتداءات الاسرائيلية، الا ان الأهم هو ذلك الحرص الكويتي على إخراج لبنان من ازماته، منذ انفجار الصراعات في 1975 وصولاً الى اتفاق الطائف. وفي كل تلك السنوات كان الشيخ صباح حاضراً. في اللجنة السداسية التي سبقت الإتفاق، وفي الدعم الذي تلاه وصولاً الى أيامنا هذه.

حوَّلَ الأمير بلاده منصة للعمل العربي المشترك، والتضامن الإنساني الشامل. ومنذ 2009 استضافت الكويت القمة الإقتصادية العربية الأولى، وقمماً عربية أفريقية ودولية أخرى، واجتماعات دولية فريدة لدعم الشعبين السوري والعراقي، وقدمت الكويت بلسان اميرها، في هذه اللقاءات الكثير من المبادرات والمشاريع والأموال، وواصلت مساعيها لجمع الشمل الخليجي، وجَهَدَت لحل المشكلة اليمنية عبر استضافتها مؤتمراً حوارياً لأطراف الصراع.

تم كل ذلك برعاية وإسهام مباشر من الأمير الراحل، وسط نقاش مفتوح في برلمان كويتي منتخب، وعبر صحافة مستقلة يرعاها دستورٌ أكد الشيخ صباح التمسك به في كل مناسبة.

تطوي الكويت مرحلةً غنية من تاريخها وتاريخ الخليج، لكن ما أنجزته وكرسته في حضور الشيخ صباح، سيبقى ولا شك اساساً لما سيتابعه خلفه الأمير نواف. فتاريخ هذه الدولة العربية التي لم تطلب شيئاً لنفسها مقابل حضورها الانمائي والحواري الوازن، قام على استمرارية الولاء للمؤسسين في عملية يرعاها دستورٌ يتم احترامه والإلتزام بأحكامه.

نقلاً عن "نداء الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.