هكَذا يفقِدُ الحرسُ الثوريُ مخَالِبهُ!

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

"الإطاحة بخلية إرهابية تلقى عناصرها داخل مواقع للحرس الثوري في إيران، تدريبات عسكرية وميدانية، من ضمنها طرق وأساليب صناعة المتفجرات، وضبط كمية من الأسلحة والمتفجرات مخبأة في موقعين". كان ذلك جزءاً من بيان أعلنته رئاسة أمن الدولة السعودية، في 28 سبتمر (أيلول) الماضي، حيث تم توقيف 10 متهمين "ثلاثة منهم تلقوا التدريبات في إيران، أما البقية فقد ارتبطوا مع الخلية بأدوار مختلفة"، وفق ما نشرته وكالة الأنباء السعودية.

ليست المرة الأولى التي يتم فيها توقيف أفرادٍ في داخل المملكة، تلقوا التدريب في إيران، أو معسكرات تابعة لحلفاء لها، سواء في العراق أو لبنان أو سوريا. وربما لن تكون الأخيرة، طالما بقي الحرس الثوري الإيراني مؤمناً بفكرة "تصدير الثورة" والتمدد الخارجي، ومحاولة بسط النفوذ على دول الجوار، والتدخل في شؤونها بطرق عدة!

مشكلة الحرس الثوري أنه لا يؤمن بفكرة "الدولة"، التي لها حد، وبالتالي سلطتها ضمن حدودها، فيما نفوذها الخارجي يكون عبر الاقتصاد والتقنية والصناعة والفنون والثقافة والقوة الناعمة، والتنافس وفق الأعراف الدبلوماسية التي أقرتها الأمم المتحدة، وارتضتها أغلب دول العالم. فيما جيشها وحرسها الوطني، يكون ذو طبيعة دفاعية، تحمي الدولة وشعبها.

غياب مفهوم "الدولة القُطرِية"، والحضور الطاغي لـ"الأمة" و"الإمبراطورية"، امتزج مع إيمان عقدي بأن ما يقوم به "الحرس" هو جزء من نشر "الحق" قبالة "الباطل"، ونصرة "المستضعفين" تجاه "المستكبرين".

هذه الرؤية التي هي مزيج من الغيب، التوسع، الشعاراتية، لا تستقيم وواقع الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذاتها؛ حيث يزداد "المستضعفون" عوزاً وضعفاً، وترتفع معدلات البطالة والفقر، ويُثقل كاهل الطبقة الوسطى بمزيد من المصاعب الاقتصادية، التي هي في جزء رئيس منها بسبب السياسة التوسعية للحرس الثوري.

إذا كان أنصار "خط الإمام" يتوقون لـ"نصرة المستضعفين"، فالأولى هم أولائك المحرومون في داخل الحدود الإيرانية، والذين هم مواطنون شكلت الثورة العام 1979، حلماً وردياً لكثيرين منهم، إلا أنه، وكما شأن أغلبِ الحركات الجماهيرية العقدية، ها هي "الثورة تأكل أبناءها"!

الراديكاليون الإيرانيون، لم يكتفوا بعملية ضخمة مثل تفجير أبراج الخبر العام 1996، بل استمروا في محاولة استمالة عدد من المواطنين السعوديين لتزويد "الحرس الثوري" و"إطلاعات" (جهاز المخابرات) بمجموعة من المعلومات عن الداخل السعودي، فضلاً عن خلقهم لخطاب تعبوي عاطفي، يعملُ على استمالة مجموعة من الشبان تحت ذرائع عدة، للتدرب على حمل السلاح، تحت شعار "وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ"، أو "التمهيد للظهور"، أو "مجابهة التيارات التكفيرية"، أو "الدفاع عن النفس تجاه داعش"، وسواها من التبريرات التي هي في نهاية المطاف تريد الوصول إلى هدف محدد: مزيدٌ من نفوذ الحرس الثوري، ومزيدٌ من التخريب في الساحة الداخلية السعودية.

من يعتقد أن الحرس الثوري يعملُ وفق رؤية تنتصر لمذهب قبالة آخر، لا يدركُ أن هذا الجهاز قدم دعماً لوجستياً لمقاتلين وأعضاء قيادين في تنظيم "القاعدة"، الذين بقي عددٌ منهم في إيران، تحت رقابة وحماية الحرس، أي أن العلاقة ذات طابع مصلحي، برغماتي، لا يهمها طبيعة المذهب، بل، الشخص أو الجهاز أو التنظيم الذي يمكن أن تتحقق على يديه مصالح المتشددين وأمانيهم.

في أفغانستان، والعراق، ولبنان، دعم النظام الإيراني قوى تختلف معه مذهبياً، وبعضها سلفيُ النزعة، وزودها بالسلاح من أجل قتالِ القوات الأميركية.

كي لا نذهب بعيداً في التاريخ، نظرة على ما يجري من نزاع تحول إلى مواجهات مسلحة بين أذربيجان وأرمينيا، نجد أن طهران تدعم يريفان مقابل باكو.

ربما هي مفارقة كما كتب الصحافي الإيراني مسعود الفاك، فـ"إسرائيل اليهودية وتركيا السنية، مع أذربيجان الشيعية"، فيما "إيران الشيعية وروسيا المسيحية، مع أرمينيا الأرثوذكسية"، لأن "المصلحة لا دين لها".

هذا ما يجب أن يعيه من يحاول أن يعطي تفسيرات مذهبية ضيقة لسلوك الحرس الثوري، لأن الإنطلاق من العقلية الطائفية في تحليل الوضع السياسي والأمني، سيقود إلى نتائج مضللة وخاطئة، وسيزيد من الاستقطاب العقائدي، ويجعل كل فريق يتحزبُ في خندقه الأقلوي.

"الورقة التي تربحُ بها، إلعب بها"، هذا ما يمارسه الحرس الثوري، سواء مع خلايا "حزب الله" أو "القاعدة" أو سواهما من التنظيمات التي تحملُ السلاح ضدّ أنظمة الحكم في الخليج. هي أوراق على طاولة جنرالات الحرس، لا أكثر ولا أقل، وهؤلاء المسلحون ليسوا شركاء في القرار، أو المغانم، بل أول الخاسرين في مختلف المعارك، والتاريخ القريب والبعيد شاهدٌ على ذلك. في النهاية المصالح القومية الإيرانية سيكون لها الأولوية، وعلى البقية أن يذعنوا صاغرين مطيعين؛ لأنهم من البداية كانوا مجرد أدوات في مشهد كبير معقد لا يستطيعون وعي اشتباكاته، وإلا لما انخرطوا دون بصيرة في لعبته.

رغم ذلك، هنالك إيجابية كبيرة في سلوك "الحرس الثوري"، وهي أنه يوماً بعد آخر بات كثيرون ينفضون عن مائدة الثورة الإيرانية، بعد أن اكتشفوا أن الأطباق مسمومة، وأن القيم الكبرى التي قدم الكثيرون أرواحهم قرباناً لها، ذهبت مع الريح، وليس هنالك غير الألم ورائحة الدم والبارود وفقد الأحبة. فكُلما استمر "الحرس" في توغله وتهديداته، كلما ابتعد العقلاء والمخلصون عنه، واصطف الحكماء المؤمنون بـ"الدولة الوطنية" الحديثة والقوية والعادلة، صفاً واحداً، رافضين الإرهاب والعبث بأمن الخليج، ومشددين على أهمية أمنه واستقراره، ورفاه مواطنيه، ومجابهة الخطابات التحريضية الهادمة للأوطان. وهو الوعي الذي يزداد يوماً بعد آخر، وسيقفُ حائلاً أمام تمدد خطاب الحرس الثوري، ويجعل مشاريعهم عقيمة دون أي نتيجة.

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.